بالحسنى
اختصر القرآن الكريم دستور السعادة في الدارين في آيات ثلاث لمن أراد أن يأخذ لنفسه قاعدة حياتية يحفظها ويطبقها دون الرجوع الى أحد لأن الله سبحانه وتعالى أعلم بعباده ويعلم منهم من يحرص على التفاصيل ولا يستريح الا بالوقوف عليها ومنهم من يحتاج إلى عناوين عريضة وقواعد عامة ينطلق منها ويسير عليها دون حاجة إلى معرفة التفاصيل الصغيرة ومنهم من هو مشغول بالبحث عن الرزق أو بجاهد أو بعلوم أخري ويحتاج إلى كبسولات تحفظ له المنهج العام الذي أنزله رب العالمين فلا يخرج عليه .
لذا رأينا من يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول له عظني يا رسول الله ولاتطل فيتلوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره"فيتفكر الأعرابي قليلا ثم يقول :قد كفيت فيقول صلى الله عليه وسلم : "فقه الرجل"أي أدرك مغزى ما قلت وعرف حدوده في مقابلته ربه يوم القيامة وياتيه آخر فيقول له أوصني فيقول صلى الله عليه وسلم وهو يعرف من يسأله داءه وعلاجه :"لا تغضب" فيعيد السائل سؤاله مرات ثلاث ولا يتجاوز رد رسول أن صلى الله عليه وسلم عن قوله: " لاتغضب "وفيما رواه مسلم أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له :" قل لي في الاسلام قولا لا أسأل عنه احدا غيرك" فقال صلى الله عليه وسلم : "قل آمنت بالله ثم استقم" ويروى أنه عندما أتاه رجل يرتكب الكبائر كلها سرقة وشرب خمر وزنا وكذب عاهده رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدم الكذب فلما هم بالسرقة قال يسألني "يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم " فإن جحدت نقضته" أى فإن كذبت نقضت العهد " وإن أقررت حددت أى أقيم علي الحد فترك السرقة فلما هم بالزنا تذكر العهد وعواقب النقض أو الإقرار وكذلك في الخمر فأقلع عن كل ما يأتي من معاصي.
أما الآيات الثلاث التى تمثل دستور السعادة وكل واحدة تحمل نفس معنى الأخريين فهما قوله تعالى :خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم " الاعراف " ١٩٩ وقوله تعالي: "
"ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون" أما الآية الثالثة فقوله تعالى : "{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}
هذه الايات تحمل نفس المعنى تقريبا كما تتضمن أمرين شديدي التضاد كما تدعونا إلى تصرفين مختلفين ومتضادين أيضا وهما التواد والعداوة وكلا التصرفين يهدفان إلى نتيجة واحدة وهي النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة فتدعو إلى التواد والتقارب مع بني الإنسان العدو والمعاداه أشد العداء للشيطان والإحسان إلى الإنسان العدو يحوله الى حبيب موال لكن التودد إلى للشيطان ينتهى به الى الشقاء .. تسامح وتواد مع الإنسان وعداوة سافرة مع الشيطان وبالتالى تتحقق السعادة في الدنيا من خلال الرضا النفسي والسلام الداخلي وتقذيم العداوة في قلوب الآخرين أو يتحولون إلى احباب موالين بعضهم لبعض وكذلك النجاة من غواية الشيطان العدو الأزلي للإنسان يقول تعالى : "إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير"
يقول ابن كثير في تعليقه على الآيات الثلاث في معرض حديثه عن الاستعاذة من الشيطان وفضلها : " أن هذه الآيات الثلاث ليس لهن رابعة في القرآن وفيها يأمر الله بالاحسان إلى العدو الانسي ليرده عن هذه العداوة طبعه الطيب إلى الموالاة وبأمر بالاستعاذة من الشيطان لانه عدو لبني ادام لا يقبل المصانعة ولا يبتغي الا هلاك ابن آدم.
يذكر المفسرون أنه عندما نزل قوله تعالى: " خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين" قال سيدنا محمد ما هذا يا جبريل بأن أن تعلن عمن ظلمك وتعطي من قطعك وتصل من رحمك