رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


بكوا بكاءَ كذِب، وبكى أبوهم بكاء صدقٍ، بكوا وهم سعداء وبكى أبوهم وهو حزين.

قلبه يمتلأ رحمة عليهم، ولكن القسوة كانت جزاء رحمته، ومن أحاطهم بحبه ورعايته كانوا هم أشد الناس غلظةً وجفاءً معه، هو لا يستطيع أنْ يرى فيهم سوءًا فهم أبناؤه أحبابه، وهم من جعلوه يتجرع غُصص الألم، وأهوال الهم ونكد الأحزان سنوات وسنوات.

تحايلوا على أبيهم حيلة كُتبت في الأزل بمداد القسوة، أنْ يفرقوا بين أخيهم وأبيهم، وفقد ابنه .. وأيُ ألمٍ كفقد الابن ؟!، تم لهم ما أرادوا، ورضيت نفوسهم أنْ يسبح أبوهم النبي في بحار الأحزان.

بكى النبي يعقوب فراق ابنه يوسف وبكى وبكى، حتى أدرك البكاءُ أنَّ يوسف لن يعود الآن، وأنَّ دموع يعقوب لن تتوقف أيضًا.

وحديث القلب يتكرر مع دمعة يعقوبية تتساقط مع الذكرى حتي يومنا هذا:

يا نبي الله يعقوب أيها الكريم: لو أملك لجئتك أواسيك وأشاطرك أحزانك، أطمئنك على ابنك الذي فقد رعايتك، ولكن الله يا سيدي سيرعاه.

هون عليك يا سيدي، ما زالت دموعك تنهمر، وما زالت قلوبنا تئن من الألم، ما زلت تبكي صامتًا، وتنهمر دموعك لا تجد أرضًا، وإنما تجد دموعك قلوبنا، تتساقط فيها فتلهب مشاعرنا، وتأجج نار الأسى في الوجدان، تملأ الفؤاد حزنا، نتجرع بها غصص الأحزان .

يا سيدي، منذ فقدت ابنك وفي قلبك مشاعر سبعين امرأة ثكلى!، وما زالت دموعك تنهمر من الحزن حتى ابيضت عيناك، ما سُمِع لك صراخ ولا نواح ولا عويل، ولكنك تحملت كل هذا الحزن تحمل العظماء، من لا تهزمهم الشدائد ولا تثني عزيمتهم الأهوال.

رغم هذه الأعوام يا سيدي، آلاف الأعوام، ومازالت دموعك تملأ الأفاق، تبكي ابنك الذي غيبه عنك الحقد والطمع والجشع والغباء والخيانة والغدر والظلم والأنانية والقسوة والجفاء.

مازالت دموعك تنهمر في صمت، تحتفظ بها قلوبنا رغم آلاف الأعوام التي مضت عليها، تتجدد حرارتها مع تجدد الذكرى.

مازلنا نبكي ونحن نسمع في الأفق، وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم.

مازلنا نبكى ونحن نسمع في الأفق قولك، إنما أشكو بثي وحزني إلى الله.

مازلنا نبكي ونحن نسمع في الأفق قولك، يا أسفى على يوسف، ونقول معك بقلوب لا يهيمن عليها زمان ولا مكان، يا أسفى على يوسف، يا أسفى على يوسف .

إنه يوسف ابن زوجتك راحيل التي دفعت مهرها أربعة عشر عاما قضيتها تعمل بدون كلل ولا ملل، أكنت يا سيدي تحب أم يوسف إلى هذا الحد ؟!.

لم يكن الطريق إلى هذا الحب العظيم نظرة فابتسامة فموعد، وإنما كان أربعة عشر عاما من التعب والنصب والعمل، واليوم تفقد يوسف فلذة الكبد وثمرة هذا الحب الرائع العظيم، لك الله يا سيدي لقد أخذ الحزن منك مأخذا، ولكنه لم ينل من إيمانك ولم ينقص من خيرك.

ما أعظمك يا سيدي، ما شغلك حزنك عن المهام العظام التى تقوم بها، ما شغلك الحزن على أن تكون رحمة لقومك، ما شغلك الحزن العظيم في قلبك على أن ترعى قومك وتدعوهم إلى الخير، ما قيمة الجبال أمام صبرك ورجولتك وقد فاق صبرك ورجولتك قم الجبال الشوامخ ؟! أي عظمة تلك يا سيدي، أي عظمة ؟!.

أقول لك يا سيدي: إن ابنك في البئر وحيد ولكن الله أنيسه، أقول لك يا سيدي: إن ابنك في البئر بعيد ولكن الله قريب منه، وسيخرج من هذا البئر فى معية الله إلى معية الله، وفي مصر وفي بلاد منف، سيكون حديث أهلها جميعا، ستهنأ مصر بقدومه إليها، وسيهنأ أهلها برؤية يوسف، فسلام الله عليك يا نبي الله يعقوب، يا إسرائيل، سلام عليك وعلى أبيك إسحاق وعلى جدك ابراهيم.

وفي بلادنا بلاد السعادة وبلاد الفرح، سنستقبلك سعيدا بلقاء ابنك الذي فقدته منذ أعوام، إبيضت فيها عيناك من الحزن عليه.

وبقدومك الميمون على مصر سيكون من أحفادك فيها نبي من أولي العزم من الرسل، كليم الله موسى عليه السلام.

وستظل ذكرى ابنك يوسف تملأ رائحتها العطرة بلادنا .. بلاد منف .. سنظل نذكر للأبد سبع سنين سمان وسبع من بعدهن شداد .. كانت كلها خير ببركة ولدك الكريم المبارك.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة