من الألف إلي الياء
دمج الإقتصاد الموازي غير الرسمي أصبح ضرورة عصرية وقومية تقتضيها المصلحة العامة ،بعد سنوات من النسيان والإهمال ، إما خطأ أو عمدا، أو ربما مراعاة للأبعاد الإجتماعية والإنسانية.
ومنذ ما يزيد عن أربع سنوات ومع شروع حكومة مصر في بدء الإجراءات الصعبة كتبت عدة مقالات ، مطالبا الحكومة بالاهتمام بالاقتصاد الموازي أو غيرالرسمي ، ودمجه مع الإقتصاد القومي وتعظيم الإستفاده منه ، باعتباره الرافد الأكبر وطوق النجاه لدعم الإصلاح القومي.
وفي اعتقادي أنه سيحقق أهدافا عديدة منها دعم ميزانية الدولة ، من خلال تحصيل رسوم وضرائب عادلة ومنطقية ، علي أنشطة تجارية غيررسمية موجودة بالفعل ،تسهم في دعم الخزانة العامة وتخفيف عجز الميزانية، والتخلي عن فكرة فرض ضرائب جديدة قد ترهق المواطنين.
وأيضا قد تغنينا هذه الحصيلة عن البحث الإستثمارات الأجنبية والإستجابة لشروط قروض البنك الدولي الصعبة ، أو الاتجاه شرقا أو غربا بحثا عن قروض جديدة!!
والأهم أن فكرة الدمج تتيح لأجهزة الدولة مراقبة هذا الإقتصاد وتنظميه وضمان جودة منتجاته وخدماته.
وتحت عنوان (مليارات القط والفأرالضائعة) ، أشرت لضرورة تقنين أوضاع أصحاب المشروعات الصغيرة والباعة الجائلين ، ومراقبة كافة المشروعات الشعبية الصغيرة ، والمحلات والأكشاك العشوائية ومشروعات"بئر السلم" وغيرها.
ويبدو أن الرسائل الإعلامية في هذه القضية قد بدأت في الوصول لحيز التنفيذ ، فقد ناقش البرلمان هذه القضية المهمة من كافة أبعادها في بداية الفصل التشريعي منذ عدة أشهر، ووافق علي إيجاد آلية لدمج الإقتصاد الخاص أو الموازي وتحقيق أقصي استفادة، وعقد شراكات موسعة مع القطاع الخاص تعود بالنفع علي الوطن والمواطنين.
ومؤخرا بدأت الوزارت المعنية في بلورة رؤية شاملة للحكومة واستراتيجية محددة المعالم لتعظيم الاستفادة من كافة الموارد المتاحة خاصة الاقتصاد الموازي أو غير الرسمي والذي يقدره البعض بأرقام ضخمة تزيد علي 2.6 تريليون جنيه ويستوعب أكثر من 3.5 مليون عامل ويمثل أكثر من 30% من حجم الاقتصاد، وذلك وفقا لأحدث الإحصائيات التي أعدها اتحاد الصناعات مؤخرا ، دون عائد حقيقي يدعم الخزانة العامة.
وأتصور أن الاقتصاد الموازي يتطلب اهتماما وإجراءات عاجلة تسهم في إحداث تنمية أصيلة بأياد مصرية بعيدا عن الحلول المعلبة الواردة من الخارج وقيود القروض ،التي ظاهرها الرحمة ومن قبلها العذاب!
وأيضا وضع حد للتهرب الضريبي من صغار وكبار الممولين ضمانا لحق الدولة والمواطنين، فهذا الاقتصاد الغائب الحاضر قد يكون المخرج و طوق النجاة لو أحسنت الدولة تنظيمه ومراقبته لتعظيم الاستفادة من عوائده .
وفي كل المحافظات تقريبا تتكرر ظاهرة مطاردة الباعة الجائلين بالشوارع والأسواق في مشهد عبثي ، وخاصة قبل مرور مسؤول أورئيس الحي أو المدينة ،أوحين تفيق الأجهزة المحلية قليلا من سباتها فتقوم بحملات روتينية لمطاردة الباعة تنتهي بتحطيم "التند" الخشبية وبعثرة وإتلاف ما لديهم من سلع وبضائع دون جدوي!
وتبقي التساؤلات المهمة.. لماذا لا تقنن هذه الظاهرة وتلك المطاردة "غير الغرامية" ويكون هناك متابعة دقيقة من موظفي المحليات والرقابة الإدارية والتموين وشرطة المرافق ،إما بتحصيل غرامات فورية أو تحديد أماكن ثابتة تضم محلات وتجمعات تجارية صغيرة يتم تصميمها بصورة حضارية منظمة ،بعيدا عن المحاور المزدحمة وإشغالات الطرق، ويتم تأجيرها وتحصيل حق الدولة بصفة منتظمة.
في تصوري أن مراقبة نمو هذا الاقتصاد ضرورة تقتضيها المصلحة القومية أما الإصرار علي إهدار "مليارات القط والفأر" وعدم إيجاد آلية عملية لاستيعابها يضيع أموالا طائلة نحن في أمس الحاجة إليها.
مصر الآن في حاجة ملحة للافكار والحلول المبدعة بعيدا عن الصندوق العقيم بهدف إحداث تغيير وإصلاح حقيقي له آثار ملموسة تنعكس إيجابا علي حياة الوطن والمواطن.