رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله

يؤكد علماء الإسلام ورجال الفتوى الكبار دائما أن رعاية الفقير وكفالته والمساهمة فى توفير احتياجاته الضرورية أفضل عند الله من إقامة مسجد تقام فيه الصلوات ويتعبد فيه الناس، ولذلك لا يتوقف العديد من العلماء ورجال الفتوى عن مناشدة وحث الأثرياء والقادرين ماديا على ترتيب أولوياتهم، والقيام بواجباتهم فى توفير حياة كريمة للفقراء وأصحاب الحاجات وهم كثيرون، وأن يتخلى من رزقهم الله بالخير الوفير عن الجحود والقسوة، وأن يتعاملوا مع الزكاة والصدقات وغيرها من العطاء الإنسانى على أنها فرائض وواجبات دينية وإنسانية ينبغى أن يتسابقوا فى ميادينها بكل رغبة وحرص وإخلاص يبتغون الأجر والثواب من الخالق سبحانه فهو واهب المال وإليه يرجع الفضل فى العطاء والثراء.

فى كل مجتمع من المجتمعات يوجد فقراء وأصحاب حاجات.. فى أكثر دول العالم ثراء يوجد فقراء وجوعى يبحثون عن طعامهم فى صناديق المخلفات أمام المطاعم، وقد شاهدنا بعضهم فى شوارع ألمانيا وفرنسا وانجلترا وغيرها من الدول الكبرى التى تتمتع بأحوال اقتصادية أفضل وتتشدق بشعارات حقوق الإنسان.

**
لا توجد دولة فى العالم تستطيع الوفاء بحقوق فقرائها وأصحاب الحاجات فيها من خزانتها العامة فقط، ولذلك نجد مبادرات لا تتوقف، وعطايا تتدفق على الفقراء من الأثرياء ورجال الأعمال والمستثمرين على مختلف مستويات ثرائهم، وهناك أثرياء فى أمريكا وأوروبا تبرعوا بمعظم ثرواتهم للفقراء واحتفظوا لأنفسهم وأبنائهم وأحفادهم بجزء يسير منها، وهذه النماذج التى نقرأ ونسمع عنها كل يوم ينبغى أن تحرك مكامن العطاء فى نفوس أثريائنا، لنرى منهم مبادرات عطاء تضاف الى مبادرات الدولة المتنوعة، بل ننتظر من هؤلاء المساهمة فى إقامة مشروع خيري ضخم يرعى أبناء الفقراء ويوفر لهم تعليما وتأهيلا جيدا لكى يعتمدوا على أنفسهم، ويتحولوا من مستهلكين الى منتجين، ومن متلقى مساعدات الى مقدمى مساعدات ومساهمات لغيرهم.
صحيح أن بعض الأثرياء ورجال الأعمال قد اقاموا جمعيات خيرية نوجه لهم الشكر عليها، لكن الكثير من هذه الجمعيات لا تزال محدودة العطاء، كما يستغلها البعض فى الدعاية لأنفسهم ولمشروعاتهم، ولا يحتسبون ما تقدمه جمعياتهم من مساعدات عند الله، فنراهم لا يتوقفون عن الحديث عن عطاياهم، وعن فرص العمل التى أتاحوها للشباب العاطل، وينسى هؤلاء أو يتناسوا أنهم حصدوا الكثير من خيرات هذا الوطن، وأن الفقراء والبسطاء من المستهلكين هم السبب المباشر فيما حققوا من ثراء.

كل ما نتمناه ونتطلع إليه أن يكون الحس الإنسانى والاجتماعى والعطاء الخيرى لأثريائنا أكثر من ذلك، وأن يكون هذا العطاء بدوافع دينية وإنسانية ووطنية، ولا يتم توظيفه لتحقيق دعايات من أى نوع.

على أثريائنا أن يدركوا أن مشكلات المجتمع كثيرة ومتنوعة ومن هنا ينبغى أن يكون سعيهم دائما لمشروعات خيرية في جميع المجالات، وأن يكون عطاؤهم مكملا وجابرا لما تقدمه الدولة من جهود لدعم الفقراء وتوفير الاحتياجات الضرورية لمحدودى الدخل، وعطاء الدولة فى تزايد مستمر ويكفى مئات المليارات التى تنفق سنويا على مستحقى تكافل وكرامة وغيرهم.

على أثريائنا أن يدركوا أن العطاء الخيرى الذى يجزل الله عليه الأجر والثواب ينبغى أن يكون خالصا لوجه الله، وأن يكون بدوافع ذاتيه من صاحبه، وألا يستغل فى دعاية سياسية أو اقتصادية لمشروعات، وألا ينتظر صاحبه من ورائه سوى عفو الله ورحمته وتطهير أمواله وتزكية نفسه مصداقا لقول الحق سبحانه:"خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها".

**
لا ينبغى أن ينشغل الأثرياء بأنفسهم عن غيرهم، حيث ينفق هؤلاء بسفه على حياتهم الخاصة كما تنقل لنا كل يوم الفضائيات والمواقع الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعى، والمتدين منهم يحرص على السفر لتكرار مناسك الحج والعمرة، ولا يدرك هؤلاء أن الأولى من ذلك هو توجيه أموالهم للفقراء واليتامى والغارمين وخاصة هؤلاء الذين لا يجدون ما يعينهم على تعليم أو تزويج أولادهم أو يوفر لمرضاهم ما يحتاجون ليعيشوا حياة كريمة وسط الآخرين ولا تضطرهم ظروفهم الصعبة للاستدانة أو التسول.

وهؤلاء – كما يقول كبار علماء الإسلام- لا يدركون أن هناك أولويات، ويتناسون أن شريعتنا الغراء قد حثت على التكافل الاجتماعي، وأن الفقراء والمساكين لهم حقوق على الأغنياء كما يقول القرآن الكريم: "والذين في أموالهم حق معلوم، للسائل والمحروم"، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ما آمن بي من بات شبعانا وجاره جائع إلى جنبه يعلم به".

يقول د.نصر فريد واصل عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر ومفتى الجمهورية الأسبق: لا يجوز لمالك المال أن يتصرف فيه كيفما يشاء ويعتقد أنه حر التصرف في أمواله دون مراعاة لأوامر شريعته وتوجيهات دينه، وليس من الإسلام أن ينفق الإنسان أمواله في النوافل وأمامه أبواب كثيرة للخير تدعوه وتحثه على أن يسهم فيها، وتعد في ظروف مجتمعنا من الفرائض.

المجتمع المصرى في أشد الحاجة إلى تضافر جهود وتعاون القادرين من أهل الخير على الإسهام في حل مشكلاته، وبخاصة المكروبين، ومساعدة المرضى والأيتام والمبادرة بعمل مشروعات لرعاية أطفال الشوارع وغيرهم من الفقراء والمساكين الذين يتعففون عن سؤال الناس، والذين يقول الله فيهم: "يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً".

تذكروا أيها الأثرياء أن الخالق سبحانه وتعالى قد أثنى فى القرآن الكريم على هؤلاء: "الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانيةً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون".

**
لقد كفل الإسلام حياة كريمة لكل أصحاب الحاجات بما فرضه علي الأغنياء من زكوات وما حثهم عليه من صدقات تطوعية ووقف خيري.. لكن نشعر بالأسف والخجل عندما نجد أثرياء لا يدينون بالإسلام ولا توجد في عقائدهم فرائض مالية يقدمون عطاء إنسانيا مبهرا يفوق كثيرا هؤلاء الذين يخاطبهم الحق سبحانه وتعالي بقوله:" وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم".

يجب أن يراجع أثرياؤنا مواقفهم وأن يتوب البعض منهم عن رذيلة البخل علي الفقراء، أو المتاجرة بالأعمال الإنسانية، وعليهم أن يعلموا أن الله يكافيء علي العطاء الذي تصاحبه نية صادقة وليس دعاية كاذبة.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة