رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معاً للمستقبل

قويٌ هو الأثر الذي تركته الدراما الوطنية –إن صح التعبير- في نفوس المشاهدين خلال رمضان هذا العام، ولمَ لا والفن والواقع وجهان لعملة واحدة، ذلك أن معظم مخرجي الأعمال الدرامية اعتمد على توثيق الأحداث السياسية التي مرّت بها مصر خلال السنوات الماضية، ومن أبرزها "الاختيار2"، و"هجمة مرتدة" و"القاهرة كابول" وهي المسلسلات التي حظيت باهتمام الجماهير وحققت أعلى نسب مشاهدة بين الشباب والشيوخ على اختلاف مشاربهم..وهو ما يبعث برسالة مهمة للمنتجين وصناع الدراما بأن يكثروا من مثل تلك النوعية في قادم الأيام لما لها من تأثير بالغ الخطورة في صياغة وعي ووجدان الأجيال؛ فمسلسل أو أغنية أو مسرحية أو فيلم سينمائي واحد جاد وهادف يفوق تأثيره مئات المقالات والدعاية المباشرة؛ فالصورة بألف كلمة كما يقولون.

وتلك ولاشك رسالة لجميع الأجهزة المعنية ومعها شركة إعلام المصريين لإنتاج مزيد من الأعمال الهادفة التي يمكنها صناعة وعي حقيقي يدعو إليه الرئيس السيسي ويحرص على وجوده بين المصريين تحصينا للدولة من رياح الفتن والتصدي للوعي الكاذب الذي يمهد الأرض أمام زعزعة الاستقرار ونهش تماسك الجبهة الداخلية أعز ما تملكه الدول في مواجهة الأزمات والعواصف..كما يمكنها غرس القيم الحضارية والأخلاقية الرفيعة في وجدان الأجيال الجديدة وحثهم على نبذ العنف وقبول الآخر والتسامح والولاء للوطن، وهي القيم التي تضررت بصورة كبيرة في مجتمعاتنا بعد أحداث يناير.

وإيمانا بتأثيرها القوي في النفوس قال الرئيس السيسي "الدراما تناولت خلال شهر رمضان أحداثاً كثيرة جدا مرت على المصريين، فأنا أتصور الدارما اللي اتقدمت ولازم تقدم أكتر من كدا واتكلمت في أحداث كتيرة حصلت بعد ما تجاوزناها بشكل كبير، وفكرتنا بأيام صعبة مرّت علينا، ومرت بفضل الله أولا ثم بتضحيات المصريين".

نجاح الدراما الوطنية وما أحدثته من تشويق وجاذبية وتفاعل لدي المشاهدين يدعونا لبذل مزيد من الجهود لإفساح المجال أمام تعليم هادف ومثمر وثقافة رفيعة وفنون راقية لتأخذ مكانها اللائق في حياتنا وأن تعود لكنف الدولة لتخرج من رحمها وتحت رعايتها كوسيلة لإيقاظ الوعي وشحذ الهمم، وسفير للوطن في المحافل الدولية.

الفن الرفيع بشتى صوره سلطان القلوب، وسيظل هذا الفن وفي القلب منه الأغنية والمسرح والمسلسل الراقي ركائز صياغة الوجدان والعقل وتتساوى أهميته مع التعليم وربما تفوقه تأثيراً وقدرة على تشكيل الشخصية وتغذيتها بروح الوطنية والولاء ..وقد شهدنا كيف لأغنية وطنية أن تشحذ الهمم وتنمي الولاء للوطن وتبقي جذوته مشتعلة في النفوس مستعدة للتضحية في سبيله بكل غال ومرتخص ..ألم تفعلها من قبل أغنية نصر أكتوبر " الله أكبر ..بسم الله بسم الله.."التي كتبها ولحنها العملاق بليغ حمدي، وغنتها مجموعة من مطربي الإذاعة المصرية ..ألا يلفت ذلك نظرنا إلى ضرورة عودة الدولة لإنتاج أغان وأعمال درامية وسينمائية ومسرحية إن أردنا تنشئة أجيالنا الجديدة على القيم النبيلة والثوابت الوطنية حتى لا يُترك عقل مصر وضميرها وقادة مستقبلها نهباً للعشوائية والفوضوية ومصالح رأس المال التي دمرت عقولاً لم تعد تصلح حتى لكسب قوت يومها وأفسدت أخلاقاً يعز إصلاحها وغيبت أجيالاً عمداً أو سهواً عن واقعها.

القوة الناعمة تبدأ بالتربية والثقافة والفنون والعلوم، فهي أركان الشخصية وأهم أدوات تشكيل العقل ..بها يكتسب المواطن الصغير ذوقه الفني ويبني بها مداركه ومعارفه ويصوغ وجدانه وقيمه وطموحاته وعشقه للوطن وولاءه وثقافته وانحيازاته..وبها تتكشف مواهبه الكامنة وقدراته الدفينة..حتى تصبح لحياته معنى وهدف وقيمة ..آن الأوان بعد نجاح الدراما الوطنية أن تستعيد الدولة قواها الناعمة في مختلف أنواع الدراما وفي شتى المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلمية والإنتاجية..وتلك في رأيي أولوية ينبغي أن تتقدم على ما سواها في الجمهورية الثانية التي دشنها الرئيس السيسي.

مسلسلات هذا العام قاربت على ال20 لكن ما رسخ في الأذهان منها قليل ..ونرجو في الأعوام القادمة أن يزداد التركيز على إنتاج أعمال فنية تعكس خطاً تاريخياً هادفاً وبناء معرفياً هادئاً واجتماعياً مستنيراً مثلما كانت أعمال الزمن الجميل التي أبدعتها قرائح مبدعين عظام أمثال أسامة أنور عكاشة الذي تجسد أعماله الروح والشخصية المصرية بكل تفاصيلها ومستوياتها؛ ذلك أنه ألقى ضوءاً كثيفاً على أحوال مصر المعاصرة، مشتبكاً مع قضاياها وهمومها وطموحاتها، راصداً بعمق تغيراتها الاجتماعية ونضالها التاريخي ضد الاستعمار والاحتلال والعدوان الغاشم فإذا ما شاهدت مثلا ليالي الحلمية عرفت التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في فترات متعاقبة من تاريخنا الحديث، منطلقاً في رشاقة وعمق وبساطة من الخاص إلى العام، واضعاً نصب عينيه الهم القومي كأحد أهم التزامات المثقف تجاه وطنه..فلامست أعماله القلوب وخلدت في الذاكرة الوطنية؛ فلم تجد فيها عنفاً ولا لفظاً خادشاً مبتذلاً رغم أنها لم تخل من انحرافات سلوكية لبشر يخطئون لكنهم أي المنحرفين كانوا دائماً الاستثناء وليس القاعدة ..فكانت تلك الأعمال كما هي الأعمال الوطنية هذا العام مصدر سعادة غامرة لدى الأسرة المصرية وباعثاً للفخر بوطنهم ونضاله وعظمة ناسه..فكانت تنتظر أعمالهم من العام للعام لتلتف حول الشاشات.

ما نرجوه أن تختفي دراما تشويه القيم والوعي والإدراك لتحل محلها دراما تبرز الصورة الإيجابية للمجتمع بصفة عامة والمرأة بصفة خاصة.. وكيف جرى تمكينها اقتصادياً وسياسياً حتى صارت في عهد السيسي ذات دور مرموق وتأثير سياسي واجتماعي مشهود فاستحوذت على 25% من مقاعد البرلمان .

ما نرجوه أن تبرز الدراما دور أمهات الشهداء وأسرهم وبطولاتهم وتضحياتهم وكل ما من شأنه أن يعلي قيم الولاء والانتماء الوطني عبر تصدير نماذج إيجابية جادت بأرواحها حتى يحيا وطنها عزيزاً أبياً كريماً..وهي نماذج نحن في أشد الحاجة لابتعاثها ومحاكاتها في مثل ظروفنا الصعبة من حروب للإرهاب ومعارك في الاقتصاد وفي مواجهة كورونا وتأثيراتها الكارثية علينا وعلى البشرية كلها في الصحة والاقتصاد وجميع مناحي الحياة، ناهيك عما نعيشه من تهديدات وجودية لأمننا القومي على جبهات ومحاور استراتيجية عديدة..وكلها تقتضي التماسك الداخلي ووحدة الصف والاصطفاف حول الوطن.

نريد أعمالا فنية تبرز دور التعليم والبحث العلمي في تطوير المجتمعات ونهضة الأمم وأن القوة الحقيقية تكمن في العقل ومنجزاته..فالدراما ينبغي أن تنهض على ساقين هما الإفادة والإمتاع والتثقيف والتنوير وليست أبداً سوطاً يلهب ظهور المصريين ويعري مجتمعهم ويسفه قيمهم وأحلامهم حين تقدم على إبراز نماذج تتجرأ على الأخلاق وتدوس القيم وتمارس الخيانة وقلة الأدب والتفاهة والبلطجة كما شهدنا في بعض الأعمال الدرامية هذا العام أيضاً.

الفن الملتزم بقضايا وطنه وأمته ينبغي له أن يسلط ضوءاً كاشفاً على بناة مصر الحديثة والمشروعات العملاقة التي يجري تشييدها بطول البلاد وعرضها ..فثمة شباب يكافح ويعرق ويواصل العمل ليل نهار ويسابق الزمن لإنجاز تلك الأعمال التي ستغير وجه الحياة على أرض مصر..أو يسلط ضوءاً كاشفاً على قصة نجاح اللاعب المصري الخلوق محمد صلاح وصعود نجمه في سماء العالمية بعد أن خرج من إحدى القرى الصغيرة بمحافظة الغربية وصار من أفضل نجوم اللعبة في العالم أداء وتهديفاً وخلقاً كريماً ليغدو سفيراً لمصر والعرب وواجهة مشرفة في العالم جنباً إلى جنب نجوم لعبات أخرى يتصدرها الأسكواش التي تستحوذ مصر على معظم بطولاتها العالمية.

بمثل هذا الكفاح والتألق يعد صلاح في رأيي أكبر دعاية يمكن توظيفها لمكافحة الإدمان والفكر الإرهابي وهو عنوان جيد لترويج مصر سياحياً.

وليس هناك في رأيي أعظم درامية من لحظات التضحية بالنفس عن طيب خاطر وقناعة تامة بأن الأفراد زائلون والأوطان باقية وهي بهذا المعنى تستحق أن تستقي منها الدراما مادتها وروحها لتقدم للمشاهدين أعظم قدوة في حب الوطن وافتدائه مثلما رأينا في مسلسل "الاختيار 2" و"هجمة مرتدة" و"القاهرة كابول" وكيف جسدت الدور الوطني للجيش والشرطة والمخابرات المصرية ..ولو أن صناع الدراما أحسنوا توظيف هذه المشاهد لجنينا أعظم الثمار ولقدمنا لأجيالنا الجديدة قدوة حسنة وفريضة غائبة عن مجتمعنا رغم ما يشهده هذا المجتمع من سلوكيات مغايرة تنضح إهمالاً وفسادًا لا تألو الدولة جهداً في محاربتهما كما لا تدخر وسعاً في القضاء على البيروقراطية المعوقة لكل نجاح والطاردة لكل تميز.

يحدونا أمل عريض أن تتسع مساحات الدراما الإيجابية البناءة الملتزمة بقضايا الوطن وهموم الأمة، وأن نجد دورا أكبر للدولة في الإنتاج الفني الهادف بمختلف صوره، وأن تمتد أيادي الجميع لمعاونتها في تصحيح مسار الإعلام وإنتاج دراما تحرض على طلب العلم والتفكير وزيادة الإنتاج والإبداع وحب الوطن حتى لا يترك وعي الشعب يشكله العابثون والساعون للربح ولو على حساب القيم الخلقية؛ وحتى لا يتحكم صناع الدراما في أذواق المشاهدين وثقافتهم.

الرئيس السيسي وضع قضية بناء الإنسان في صدارة أولوياته ويبقى أن تبسط الدولة والمجتمع أيديهما لاستنقاذ الفن والثقافة والتعليم من أنياب المغرضين والباغين ..ولعل أقصر الطرق لذلك هو تقديم دراما جادة تشيع روح الأمل وتقدم حلولا ناجعة لهموم المواطن وتعيد الاحترام لقيم كادت تندثر مثل توقير الكبير والرحمة بالصغير ..دراما لا تتجرأ على المحارم ولا تروج للفسق.

ومن بواعث الأمل أن تاريخنا حافل بنماذج النجاح والقدوة الحسنة ولا تحتاج لجهد كبير لكشف النقاب عنها وتسليط الضوء عليها بتقديم شخصياتها قدوة في المسلسلات مثلما فعل محمد علي الذي نقل مصر من مجرد ولاية عثمانية متردية إلى دولة ناهضة في سنوات معدودات وهو نفس ما يقوم به السيسي حالياً بنقل مصر إلى مصر أخرى تماماً في كل أوجه الحياة ..علينا أن نحاكي قصص نجاح دول وأفراد ونقل تجارب الأمل التي كانت سبباً في تقدم دول كانت أقل منا.. وعلى صناع الدراما أن يقدموا أعمالا تشتبك بقوة الحجة والمنطق مع الفكر الإرهابي وتدحضه بطريقة سلسة أكثر إقناعا؛ فالحرب مع الإرهاب لم ولن تنتهي حتى نسترجع حق كل شهيد وأن تمارس دورها في توعية المواطن بدوره في المرحلة الحالية ومساعدة الدولة في معركتها مع الجهل والتطرف والفقر.

الإدارة المصرية آلت على نفسها أن ترد بقوة على أعدائها من جماعة الإخوان وغيرهم بكشف جرائمهم وإبراز تاريخهم الأسود وأيضاً بمزيد من العمل والإنتاج والبناء والزراعة والتصنيع والإصلاح الاقتصادي ونهضة التعليم وتحسن منظومة الصحة لإحداث تنمية حقيقية قادرة على قهر الأزمات.

لقد كان "الاختيار 2 " جامعا بين الدراما والتوثيق بدرجة لم يتخيلها أحد . وقد كشف من خان وباع ومن ضحى بنفسه ليحيا وطنه شامخاً في مشاهد أبهرت المشاهدين ودفعتهم لإعادة تكوين صورة ذهنية حقيقية وإيجابية إزاء جرائم الإخوان ومن يقفون وراءهم.. وهي المشاهد التي لخصها الرئيس السيسي بقوله "الأيام دي ممرتش غير بتضحيات شعب مصر..كل أسرة قدمت شهيد في قطاع من قطاعات الدولة من جيش وشرطة وقضاء والمساجد والكنائس، كل ده كان مشاركة وتمن تم تسديده لمكافحة الإرهاب".

وقد جاء مسلسل "هجمة مرتدة" مجسداً هو الآخر لجهود المخابرات المصرية في كشف المؤامرات والمخططات المشبوهة لتقسيم المنطقة العربية التي حيكت قبل 25 يناير وزرع تنظيم القاعدة في العالم..أما "القاهرة كابول" فقد كان بمثابة رسالة تنوير للعقول والتوعية بخطورة ما يقترفه الإرهابيون الذين لا يؤمنون بمعنى الوطن بل يقومون بعمليات تخريبية وانتحارية وتكفيرية على غير هدى ..المسلسلات الثلاثة كانت بلا مبالغة صيحة تحذير قوية في مواجهة الإرهاب..ألقت حجارة ثقيلة في مياه راكدة ونجحت بدرجات متفاوتة في تحريك الأفكار في عقول الجماهير ومساعدتهم على إعادة التفكير بطريقة منظمة من جديد والفكاك من العمليات المضادة لغسيل الأدمغة وتشويش الوعي التي هبت رياحها بقوة في الفترات الأخيرة.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة