رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معاً للمستقبل

لا شك أن كورونا أعادت البشرية لأجواء ما يشبه الحروب العالمية والأزمات المالية الطاحنة التي تخلف ركوداً اقتصاديا وبطالة متزايدة وتراجعاً كبيرا في مجالات شتى وخسائر كبيرة في الأرواح واقتصادات الدول..والنتيجة أن العالم أخذ يعيد حساباته في كل شيء وتزايد اهتمامه بالبحث العلمي لاسيما في المجال الطبي لإنتاج لقاحات ناجعة للقضاء على الفيروس المستجد والمتحور بلا توقف.

ورغم ما وصلت إليه الإنسانية من تطور علمي وتقني مذهل لكنها لا تزال تقف حائرة وربما عاجزة عن حماية نفسها من فيروس ضئيل لا يرى بالعين المجردة..وأكبر دليل ما نراه عبر الشاشات من تداعيات أليمة لوباء خطير لا يزال يحصد آلاف الأرواح رغم إنتاج أكثر من لقاح تتنافس كلها لوقف الزحف المتواصل لهذا المرض الفتاك، وجنى مكاسب هائلة من حصيلة تلك اللقاحات.

ويبدو طبيعياً في سياق كهذا أن يستعيد العلم بريقه والطب قيمته وأن تتجه الأبصار صوب العلماء أملاً في الخلاص من كابوس كوفيد 19، وأن يتبوأ التعليم والصحة بعد مرارة الجائحة مرتبة الصدارة في قائمة أولويات كل دولة؛ فهما رافعة أي نهضة وأساس أي تقدم ليس لمجابهة الأمراض والفيروسات الفتاكة فحسب بل لتوليد الثروة وحيازة أسباب القوة .

العلم يصنع الفارق دائماً بين دول عظمى ودول تصارع للبقاء ..ومن يقرأ التاريخ ويستخلص دروسه وعبره يدرك بوضوح أن القوة الحقيقية تكمن في العقل، وأن أي تأخير في إصلاح التعليم والصحة هو إهدار للمستقبل وتفريط في مقومات البقاء، ناهيك عن المنافسة على مراتب الصدارة والهيمنة والنفوذ الدولي..وكم من دول كانت صغيرة لكنها بفضل عقول أبنائها النابهين وتعليمها الصالح صارت بين الكبار.. وكم من إمبراطوريات كانت ملء السمع والبصر لكنها صارت أثراً بعد عين؛ فالعلم يوسع المدارك وينير الأفهام.. والجهل يحجب الفهم والإدراك الصحيح، ويحول دون الرؤية النافذة للكون من حولنا، ويعيق تقدم أي دولة نحو غايتها المنشودة في عمارة الأرض وصناعة التاريخ كما يورث التخلف والضعف.

دلوني على دولة أو أمة صنعت مجدها وازدهارها ومنجزها الحضاري دون الاعتماد على العقل والعلم كلمة السر في بناء الحضارات.. فهل كان ممكناً أن تتقدم البشرية دون أن تهتدي للكتابة والتدوين والزراعة والتصنيع والعمارة والتشييد، وصولاً لعصر الرقمنة والمعرفة والذكاء الاصطناعي الذي نجنى اليوم ثمراته وحصاده.

ما كان بالأمس مستحيلاً صار بفضل العلم ممكناً..وتتفاضل الدول فيما بينها بمقدار ما تملكه من ناصية العلم وأسراره؛ وبقدر ما تستطيع تحويل الأفكار والأحلام إلى واقع مثمر ..فهل يستوى من يملك أدوات المعرفة وينتج غذاءه ودواءه وكساءه وسلاحه ومقومات رفاهيته ومن يعيش عالة على غيره يستجدي منه طعامه وعلاجه وأخص احتياجاته..هل يستوى من أنتج وأشبع احتياجاته ثم اتجه لتصدير الفوائض للآخرين محققاً وفرة اقتصادية هائلة ومن لا يملك قوت يومه..؟

ومن عجب أن أمتنا العربية تملك موارد طبيعية وبشرية وتجانسا عرقيا ودينيا وروابط مشتركة تؤهلها إذا ما تكاملت وتوحدت أن تكون أمة عظمى.. لكنها للأسف لا تزال تعتمد على غيرها في إشباع احتياجات شعوبها..وإذا أردت دليلاً على ما يصنعه العلم من معجزات فانظر في تداعيات كورونا لتعرف من يملك مقومات القوة الحقيقية والقدرة على التكيف والتعايش مع الفيروس الفتاك ومن راح ضحية له ..والأمل كل الأمل أن تكلل جهود العلماء بالنجاح لفك الشفرات الجينية لهذا الفيروس وإنتاج لقاح ناجع للوباء يكشف الغمة ويعيد الحياة الطبيعية الآمنة للبشرية.

كورونا وضعت العالم أمام حقيقة ساطعة تقول " وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً" وهو ما يؤكد أن الكون في حاجة لمزيد من القراءة المتأنية لكشف ظواهره و ومعرفة أسراره..وإحقاقاً للحق فقد صححت حكومتنا مسار أولوياتها، وجعلت بناء الإنسان وإصلاح التعليم والصحة في صدارة اهتماماتها ..وتلك الملفات وغيرها هي أهم أولويات الرئيس السيسي إدراكاً منه بأهميتها القصوى في نهضة البلاد والعباد؛ فالتعليم الجيد ركيزة لا غنى عنها لأي بحث علمي متقدم ومنتج ..وكلاهما وسيلة لازمة لأي منجز حضاري.

كورونا تعيد رسم خريطة العالم؛ وتدفع رؤساء الدول والحكومات لإعادة ترتيب أولوياتهم، واضعين التعليم والتكنولوجيا والصحة نصب أعينهم بحسبانها من شروط حيازة القوة والرفاهية والتقدم.

تاريخيًا أحدث إطلاق الاتحاد السوفييتي للقمر الصناعي سبوتنك -1 صدمة للأمريكان،وُجهت على إثره انتقادات لنظم تعليم الرياضيات والفيزياء في الولايات المتحدة،حيث أظهر إطلاق هذا القمر تفوق المهندسين السوفييت على نظرائهم الأمريكيين؛ فظهرت مشاريع عديدة لتطوير مناهج تعليم الفيزياء والرياضيات بالولايات المتحدة.

كما سارعت واشنطن لانشاء وكالة مشاريع أبحاث الدفاع المتقدمة(داربا)،وصارت مهمتها منع أي مفاجأة تقنية تضر الأمن القومي الأمريكي، والحفاظ على تفوق الولايات المتحدة كدولة رائدة في مجالات العلوم والتقنية.

كما قام الرئيس الأمريكي أيزنهاور بتوقيع مرسوم لإنشاء وكالة الفضاء (ناسا) في عام 1958، لتضطلع بمهام تنفيذ برامج الفضاء الأمريكية.

واليوم تتربع أمريكا- بفضل ما أنجزته في التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا- على عرش العالم بوصفها قوى عظمى وحيدة لكنها لم تسلم من ويلات كورونا بعد أن سجلت أعلى معدلات الإصابة والوفيات الناتجة عن هذا الفيروس ..وفي الأفق تبدو إرهاصات بزوغ قوى أخرى آخذة في الصعود والمنافسة..وقد يأتي يوم نرى دولاً أخرى تتفوق بالطريقة ذاتها على أمريكا ..فالأيام دول.

وما يعنينا في هذا السياق أن الدولة المصرية بدأت في بناء قواعد منظومتى التعليم والصحة بصورة نلمسها جميعاً وتعكسها أرقام كبيرة للمخصصات المرصودة لهما في الموازنة العامة؛ وسوف تؤتي ثمارها بعد حين؛فمشوارهما طويل وكلفتهما هائلة والبدايات دائماً هي أصعب الخطوات..المهم أننا بدأنا السير في الطريق الصحيح، والنجاح ليس خبط عشواء يتحقق دفعة واحدة لكنه تراكم وطبقات بعضها فوق بعض.

العلاج المناسب حق للأغنياء والفقراء؛ الضعفاء والأقوياء على السواء تلتزم الدولة بتوفيره للجميع بجرعات مناسبة متى احتاجوا إليه درءًا لأخطار المرض ودفعا لمشقة الحصول على الرعاية الطبية المناسبة وفق نظام صحي يحق العدالة والشفافية والمساواة؛ نظام يرحم ضعف الفقراء ويخفف مواجع المنكوبين ويرأف بحالهم، ولا يحملهم ما لا طاقة لهم به، نظام يناسب ثراء المقتدرين وعوز المحرومين ..ولن يتحقق ذلك إلا عبر نظام محكم للتأمين الصحي الشامل بدأ تطبيقه بالفعل في بعض المحافظات تمهيداً لتعميمه في سائر أنحاء الجمهورية خلال عشر سنوات وليس 15 عاماً كما كان مقرراً، ويعد هذا المشروع في رأيي أهم قرارات الإرادة السياسية للسيسي.

ويحدونا أمل أن تتضافر الجهود المجتمعية لتوفير التمويل اللازم لمثل هذا المشروع الضخم الذي يحتاج قطعاً لمليارات كثيرة يمكن لرجال الأعمال وشتى مكونات المجتمع المدني أن يسهموا فيه بصورة أكثر فعالية حتى تمتد منظومة التأمين الصحي لتغطي جميع المصريين بلا استثناء كل حسب حالته واحتياجاته؛ ذلك أن حاجتنا باتت ماسة لمثل هذا النظام الصحي الشامل الذي يمكنه حل كل مشكلات المنظومة الصحية القائمة ومتاعبها.

توفير تأمين صحي شامل وناجع لا يقتصر على إقامة منشآت وشراء أدوات ومستلزمات طبية فحسب بل الأهم في رأيي هو تأهيل العنصر البشري وتدريبه بصورة مناسبة حتى يمكنه أداء الخدمة الطبية على النحو المنشود ملتزما بمعايير دولية تحكم العمل بهذا المجال الحيوي المتجدد.

الكوادر البشرية هي حجر الزاوية لنجاح أي مشروع، وتخريج مثل هذه الكوادر يتم عبر بوابة التعليم وهو ما أدركته الحكومة جيداً وسارعت لتطوير التعليم الجامعي وما بعد الجامعي الذي يتخرج فيه العاملون بالنظام الصحي بشتى مكوناته.

ولا ينبغي أن يغيب عنا ونحن نقيّم مثل هذا المشروع الضخم ونتوسع فيه أن نلتفت لشيء مهم وهو النقص الحاد في الأطباء والتمريض وفي تخصصات بعينها يعرفها القائمون على هذا القطاع حق المعرفة جراء هجرة الكوادر من الأطباء والتمريض للخارج في الفترة الأخيرة بحثا عن رواتب أفضل بعد تدني أجورهم وهو ما أدركته وزارة الصحة والحكومة عامة وبدأت وضع حلول لاسترجاع الطيور المهاجرة من الكفاءات الطبية الوطنية من الخارج ، أضف إلى ذلك الغلاء الفاحش في أسعار الأدوية المستوردة غير المتوفرة أصلاً، فضلاً على نقص الموارد والمخصصات المالية للقطاع الصحي خلال السنوات الثلاثين الأخيرة وما ترتب عليه من تهالك البنية الأساسية للقطاع بكامله حتى بات ثلثا المستشفيات المصرية عاجزة عن توفير السلامة للمرضى، وظهور البديل ممثلاً في القطاع الخاص الاستثماري والخيرى.

التأمين الصحي الشامل مشروع عملاق سوف يحدث تغييراً حقيقياً في خريطة مصر الصحية؛ ذلك أنه يفصل التمويل عن تقديم الخدمة ويكفل الحرية والكرامة للمواطن بحيث يختار المستشفى الذي يريد والطبيب الذي يرتاح له ..كما أنه يوفر الرعاية الصحية والعلاج بالمجان لغير القادرين.

ومن بواعث الأمل أن المبادرة الرئاسية "حياة كريمة " التي انطلقت لتطوير الريف المصري مستهدفة تحسين حياة 57 مليون مواطن في قرى ونجوع مصر سوف تعمل على تسريع وتيرة إنجاز مشروع التأمين الصحي الشامل ؛ حيث إنها تتولى تطوير المنشآت الصحية والتعليمية في تلك المناطق.

ويبقى مواجهة الإهمال الطبي وغياب الضمير لدى بعض أطباء المستشفيات وإداراتها بتفعيل القوانين وتشديد العقوبات ولا مفر من التفرغ التام للأطباء للعمل بتلك المستشفيات بعد أن ينالوا التدريب والتأهيل الكافي لممارسة المهنة، ويحظر عليهم فتح عيادات خاصة مقابل التزام الدولة بتوفير سبل العيش الكريم والأجور المجزية لهم والترقي في عملهم ما داموا سيتفرغون تماماً لوظيفتهم ووافقوا على ذلك.

الأمر ذاته ينطبق على التربية والتعليم حيث لابد أن يتفرغ المدرسون لعملهم في المدارس وحظر الدروس الخصوصية وتجريمها بعد رفع المستوى المادي والمهني للمعلم.

يقيني أن الرئيس السيسي يدرك بعمق حجم ما تعانيه المنظومة الصحية من ترهل وضعف فبادر بإصلاحها واقعيا عبرتنفيذ مشروع التأمين الصحي الذي سوف يقضي على كل المشاكل التي تعانيها المنظومة الصحية حالياً ويعالج المصريين من اشد الامراض فتكا وتدميرا واستنزافا لهم إذا ما جرى تطبيقه بعدالة وكفاءة .

مبادرات الرئيس الصحية العديدة باتت مثار اهتمام العالم وإعجابه لأنها تسعي لاستئصال شأفة أمراض خطيرة ولا بد أن يتزامن مع إصلاح المنظومة الصحية إنهاء مسلسل الأخطاء الطبية الناتجة عن استهتار بعض الأطباء أو عدم تأهيلهم وتدريبهم بصورة كافية أو غياب الرقابة والمتابعة والمساءلة والردع القانوني وضعف مستوي فرق التمريض المعاون والنقص الحاد في كوادره بجميع المستشفيات الحكومية .

ولست أشك في أن أزمة المنظومة الصحية كما هي كل أزماتنا هي أزمة ضمير وإدارة وغياب القانون قبل أن تكون أزمة تمويل، فالقانون يتساهل مع المخطئين والنقابة لم يثبت أنها سعت لتفعيل مبدأ الوقاية ومنع وقوع الأخطاء بمزيد من الإجراءات المنضبطة مثلما تفعل دول العالم المتقدم .. فكم مرة مات مريض بسبب جرعة بنج زائدة .. وكم مرة أجري طبيب جراحة عملية لمريض دون تعقيم مناسب .

خريطة مصر الصحية يجري الآن إعادة صياغتها بأسلوب علمي وسوف نري ثمراتها في المستقبل القريب، كما أن التعليم كله يحتاج لجراحة عاجلة تقوم بها الدولة لإصلاح المنظومة برمتها حتي نخرج من النفق التعليمي المعتم إلي نظام أكثر قدرة علي الإنتاج واسترداد عائد التكلفة وتخريج أجيال أكثر إبداعا وإنتاجا علميا في شتي التخصصات .

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة