أبيض وأسود
يحكي أن "رجل عجوز دخل يومًا إلي الكنيسة من أجل أن يلوم الرّب الذي لم يساعده علي ربح بطاقة اليانصيب، فهو لم يربح أي شئ علي مدي عمره، أي طوال سبعة وتسعين عامًا، برق آنذاك شعاع ضوء مُقدّس في السماء، وأجابه صوت الرّب:"قبل أي شئ عليك أولًا أن تشتري بطاقة اليانصيب".. هذه القصة رواها الكاتب الروائي الفرنسي الأكثر مبيعًا في العالم، مارك ليفي في رواية "هو وهي".. هي قصة معبرة عن المتقاعسين عن الحب وعن العمل وعن المواجهة.. لكن العبرة استوعبتها المقاومة الفلسطينية في صراعها مع العدو الصهيوني بينما لم تنتبه لها ولا لحكمتها الدول التي سارعت بالتطبيع المجاني مع اسرائيل ضمن مبادرة ابراهيم، فعند الإختبار الأول لما جري في حي الشيخ جراح ثم في القدس وما تلاها بغزة شعرت الدول التي ركبت قطار التطبيع المجاني بالخدعة التي تعرضت لها، وأن اسرائيل تجرجرهم إلي مراعي القتل، بينما المقاومة والضمائر الحية اشترت بطاقات اليانصيب وحفظت كرامتها وشرفها.
في رواية سالباتييرا للكاتب الأرجنتيني بيدرو مايرال شئ هام غير محسوس يضع يدك علي جرح الضمائر الحرة بالعالم في أوقات الصراعات التي تخلو من المبادئ فقد "كان "سالباتييرُّا"، وهو رسام أصم صاحب ابداع عميق، حين تخذله السياسة - أو الإنسانية بوجه عام-يرسم تلك المناظر الخاوية، وكأنه يريد أن ينأي بنفسه إلي مكان تقتصر فيه الروابط بالكاد علي تحية من بعيد". لكننا هذه المرة – والحمد لله – لم تخذلنا السياسة الرسمية في مصر، ولا الإنسانية. السياسة الرسمية المصرية – مهما كنت مختلفًا معها- بدت في هذه الجولة من العنف والوحشية الإسرائيلية لاعبًا محترفًا ومؤثرًا، لم تلعب دور الجار الطيب، الذي يطيب خواطر المتنازعين، فرغم الإنهاك والإنشغال بملفات مصيرية علي رأسها تحدي الجلافة الأثيوبية في سد النهضة وهشاشة الأوضاع في ليبيا، لم تتأخر مصر لحظة كجار قوي يمتلك من الردع بقدر ما يمتلك الحكمة والخبرة والرؤية، وكأنما تم استدعاء خارطة جمال حمدان في ثلاثيته عن شخصية مصر، للتحرك دبلوماسيًا، وفيها أن "نواة نظرية الأمن المصري" تقوم علي أن موقع مصر مهدد أبداً وبانتظام بالإجهاض والشلل الجزئي ما بقيت إسرائيل، خاصة وأنها تريد أن ترث دور القناة نهائياً، بل وتهدف إلي سرقة موقع مصر الجغرافي، ومن ثم يصبح المبدأ الإستراتيجي الأول في نظرية الأمن المصري هو مرة أخري:دافع عن سيناء- تدافع عن القناة.. تدافع عن مصر جيمعاً، ولا ضمان بالتالي إلا بذهاب العدو" (ثلاثية جمال حمدان ص 228)، ومفادها النهائي أن "مصير العالم العربي يتوقف علي مصير فلسطين/ إسرائيل.. وفي التطبيق لم تكتف مصر بالبيانات بل ضغطت بكل قوة علي كل الأطراف لوقف امتداد النيران لما هو أعمق، ومنع الدمار لما هو أشمل، لم تنم مؤسسات مصر وتواصلت مع كل الأطراف ولعبت بكل أوراق الثقة من البيت الأبيض إلي العواصم الأوروبية وحتي الصين وروسيا إلي المؤسسات الدولية، ودفعت بوفودها إلي قلب الحريق ما بين غزة وتل أبيب، وكانت كلمتها واضحة بأن يتوقف كل ذلك علي الفور.وواصلت بفتح معبر رفح لعلاج المصابين الفلسطينيين.. مصر اتبعت سياسة الطحين لا الجعجة والاستعراض الفضائي.. وبينما هي تبذل كل ما تملك لنصرة القدس ودعم الفلسطينيين علينا أن لا ننسي حظر فرنسا تنظيم أي احتجاجات مؤيدة لفلسطين، وعرقلة أمريكا – بايدن لمجلس الأمن الدولي عن القيام بأي دور لوقف ما يحدث او إدانة اسرائيل، كأنما تعطي لمجرمي الحرب الصهاينة وقتًا إضافيًا علي أمل تحقيق أهدافهم في القتل والتدمير والتشريد.
وبقدر ما كان موقف النمسا والتشيك رسميًا أكثر خزيًا، وتلطخ بالجرائم وزعمائهما يرفعون أعلام المجرمين تضامنًا، لم تخذل الإنسانية فلسطين، فللمرة الأولي يتبلور موقف عالمي إنساني يفضح جرائم اسرائيل ويدينها ما بين لاعبي كرة عالميين ونجوم سينما، وأعضاء كونجرس ديمقراطيون يلاحقون بايدن بالبيانات ويجرسون اسرائيل بالتغريدات.
مشاهد القصف العشوائي للمباني في غزة وعشرات الشهداء من الأطفال والنساء والرجال الفلسطينيين، بقدر ما تبكي وتثير الحنق بقدر ما تسجل للعالم جرائم اسرائيل وهي جرائم حرب، وبقدر ما تزيل الغبار عن الجرائم القديمة من أربعينات القرن الماضي إلي الآن. اسرائيل من حيث لا تدري تعيدنا للبديهيات الأولي لتفكيك الصراع بعيدًا عن الأكاذيب والأوهام وهراءات المطبعين. فالإحتلال الذي جلب كل حثالة العالم- حسب وصف مفكرنا العظيم جمال حمدان –ووضعها في دولة ومارس أبشع أنواع الإستعمار السكاني من التشريد والترويع والقتل هو الآن علي المحك، يصنع مراعي للقتل للخروج من أزمة فراغ سياسي سقط فيها بسبب فساد قادته. وبعد أربع إنتخابات في عامين يتعثر في تشكيل حكومة. والتحدي الذي يجب أن ندعمه ان لا ينتهي ما يحدث من جرائم بوقف النيران.. لا يجب أن تمر عصابات اسرائيل دون أن تدفع هذه المرة الثمن ودون أن تنال العقاب.. لابد أن يتواصل الضغط الدولي انسانيًا ودبلوماسيًا واعلاميًا لوقف الاستيطان نهائيًا، وإعلان القدس عاصمة أبدية لفلسطين، هذا ثمن عاجل، قبل استعادة كامل الأراضي العربية المحتلة، والفرصة مواتية.