لوجه الله
كل عام وأنتم بخير.. ودعنا شهر الخير والفضل والكرم، شهر رمضان المبارك الذي جعل الله (أوله رحمه، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار) كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ونسأل الله عز وجل أن نكون قد خرجنا منه بما يوجه سلوكنا نحو الأفضل والأرقى والأنفع طوال العام.
في هذا الشهر الفضيل من المفترض أننا تقربنا إلى خالقنا بكل الطاعات والعبادات فصمنا وتضاعف حرصنا على الصلاة والزكاة والصدقات التطوعية على الفقراء والمحتاجين.. ولا ينبغى أن نفرط فيما أنعم الله علينا به من أجر وثواب طوال الشهر الكريم.. ففريضة الصوم التي التزمنا بها وحرصنا عليها خلال أيام رمضان تستهدف تهذيب النفس وتربيتها على الصبر والاستقامة والصفاء فضلا عن قوة الإرادة وصدق العزيمة وتحمل المصاعب بصبر وجلد.. وكل هذه المعاني النبيلة التي نخرج بها من رمضان يجب أن تلازمنا طوال العام ويكون لها تأثيرها الإيجابي على حياتنا وسلوكنا في كل شهور السنة، فرمضان شهر لمحاسبة النفس وإلزامها بكل الطاعات والأخلاق والسلوكيات الفاضلة، والفائدة الحقيقية لذلك تظهر بعد رمضان.
بعض الناس-للأسف- يحرصون على العبادات والطاعات والسلوكيات الكريمة في رمضان.. ثم ينصرفون عن ذلك فور انتهاء الشهر الكريم.. وهؤلاء- كما يؤكد علماء الإسلام- مخطئون .. فرمضان ليس موسما للطاعة والالتزام الدينى والأخلاقى ثم نتمرد على كل ذلك بعد وداع الشهر الكريم، ومن يفعل ذلك فهو ممن غاب عنهم المعنى الحقيقى للعبادة والطاعة والالتزام الدينى والأخلاقى.. فالعبادات وخاصة الصلاة والزكاة مفروضتان على المسلم طوال أيام وأشهر السنة.. فمن صلى في رمضان وانصرف عن الصلاة بعد رمضان فقد عرّض نفسه لعقاب الله على ترك الصلاة، ومن تحجبت في رمضان وخلعت ثياب االحشمة والوقار بعد رمضان فقد جلبت لنفسها غضب الله وعقابه، لأن المرأة المسلمة مطالبة بستر عورتها والالتزام بالآداب والأخلاق الفاضلة في ملابسها وسلوكها في رمضان وغير رمضان.
لذلك ننصح كل من يربط عباداته وطاعته وسلوكياته الفاضلة برمضان ثم ينصرف عنها بعد ذلك بمراجعة نفسه والعودة إلى طريق الحق والصواب وهو الحرص على طاعة الله وأداء الواجبات والتكاليف الدينية والالتزام بالسلوكيات الفاضلة بعد رمضان.
****
سألت العالم الأزهرى د.أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر عن أسباب ما نعانيه من تدين شكلى يحرص أصحابه على المظاهر فقط دون الالتزام بما يؤكد عليه الدين من تقوى والتزام ديني وأخلاقي.. فقال: للأسف هذا سلوك غريب ومعيب، حيث توجد نماذج من الناس تصلي وتصوم وتزكي وتحج ربما كل عام وتتظاهر بالتقوى والصلاح، ولكنها ترتكب سلوكيات شاذة وغريبة وتحرض على ارتكاب جرائم وقد يرتكب بعضهم ممارسات فساد مالى أو أخلاقى، وبالتأكيد هؤلاء لم يستفيدوا من الفرائض التي أدوها لأن هذه العبادات والطاعات والأعمال الخيرية لم تكن خالصة لوجه الله عز وجل، وهذه النوعية من الناس تخرج من الدنيا مفلسة مهما تعددت وجوه الخير الذي تفعله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يوضح لنا هذه الحقيقة في الحديث النبوي الشريف فيقول لبعض صحابته الكرام: “أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم وله ولا متاع، فرد عليهم صلوات الله وسلامه عليه قائلاً: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار” .
وهكذا يتضح لنا أن الغاية المنشودة من العبادات في الإسلام أن تزكي النفس الإنسانية وتصقلها وتوثق صلة الإنسان بخالقه وصلته بالناس على أساس من العقيدة الصحيحة والخلق الحسن، فبالصلاة ينتهي المسلم عن الفحشاء والمنكر، وبالزكاة يتخلص المسلم من رذيلة البخل وتتعمق الألفة بين القلوب وينمو الحنان والإحسان بين الناس، وبالصوم يتمرس الإنسان على الصبر وسائر خصال البر والتقوى، وبالحج تتم سائر الفضائل الدينية والأخروية التي تغرسها مناسكه في قلب المسلم، وهكذا تثمر العبادات في الإسلام ثمرتها وتؤتي أكلها إذا صدقت بها نية صاحبها . أما إذا أداها كمجرد عادة يقوم بها وأفعال جامدة لا روح فيها فلا وزن لها ولا ثمرة ترجى من ورائها.. وما أكثر ما نرى فى حياتنا الواقعية من يحرصون على العبادات، ويظهرون مداومين عليها، ثم يفعلون ما يتنافى مع روح العبادة، ويقترفون من السلوك ما يغضب الله ورسوله . وهؤلاء في حقيقة الأمر لم يستفيدوا من عباداتهم حيث أدوها أشكالاً هشة، وكانوا كمن يحمل كثيراً من الدراهم وعليه أضعافها من الديون، فإذا حل وقت الأداء وجدها قليلة الجدوى .
** تأكدوا أن حسن الخلق أهم كثيرا من العبادات التى يؤديها البعض كطقوس شكلية، وتيقنوا أن العبادات والطاعات لا تمحو كل آثار الأخلاق السيئة والسلوكيات الشاذة لكثير من الناس، بل العكس هو الصحيح، فالعبادة الصحيحة الكاملة غير المبالغ فيها مع حسن الخلق تكفل لصاحبها النجاة، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن امرأة تكثر من الصلاة والصيام والصدقة ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها فقال: “هي في النار” فقيل له: فلانة امرأة أخرى لا تصلي ولا تصوم كثيراً وتتصدق بقطع الجبن ولكنها لا تؤذي جيرانها فقال عليه الصلاة والسلام: “هي في الجنة” . إذن حسن الخلق يغفر كثيراً من الذنوب، وهذه حقيقة غابت عن كثير من الناس.
رزقنا الله وإياكم حسن العبادة والمداومة عليها..ورزقنا الأهم وهو"حسن الخلق".