معاً للمستقبل
انقضى رمضان كعادته سريعاً ..ربح فيه من ربح وخسر من خسر..و اليوم يظلنا عيد الجائزة الذي جعله الله فرحة للصائمين الذين أقبلوا على الشهر الكريم فاستقبلوه بترحاب وعمروه بالصبر وجهاد النفس والتراحم وصلة الأرحام والقيام و الصدقة والعطف على المساكين وتلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النهار.
العيد جائزة ربانية وفرصة لمراجعة أنفسنا وأن يعرض كل منا نفسه على ميزان رمضان ليرى هل ربح وفاز أم خسر وخاب وأهدر فرصة عظيمة للقرب من الله وتهذيب النفس وإصلاحها..هكذا تفعل الشعوب الحية في مراجعة الأخطاء وتقييم الأداء بموضوعية وصدق مع النفس فتعظم الإيجابيات والمكاسب وتعالج الأخطاء وتتلاشى السلبيات ..وما أكثرها في مجتمعاتنا.
لابد من وقفة حساب مع النفس .. "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم"..فثمة دروس وعبر خرجنا بها من رمضان الذي هو مناسبة للحصاد..فما يغرسه الإنسان قبل رمضان يجنيه في رمضان..وفي ظل كورونا أخطر وباء حيّر البشرية وأتعبها يصبح حساب النفس ومراجعتها أوجب..فمن منا فعل ذلك..من غالب نفسه وخالف هواه ولم يستسلم لمقالب رامز ومسلسلات رمضان وملوك التفاهة والمسخرة.
وكما كانت هناك أعمال فنية مدمرة للمجتمع فهناك في المقابل أعمال وطنية رائعة هادفة يتصدرها مسلسل الاختيار 2 ومعه "هجمة مرتدة"، ثم "القاهرة كابول" ..فهل تكررت أخطاؤنا في رمضان هذا العام أم تخلصنا من سلبيات كنا نقع فيها كل عام بقصد أو دون قصد .
القلوب محط نظر الله تعالى فهل أصلحنا قلوبنا وتخلصنا من أمراض الحقد والحسد والغل والكبر أم ما زلنا نتشاحن ونتباغض ويقاطع بعضنا بعضاً..هل صرنا قلوباً رهيفة تتصدق وتجود بما أعطاها الله وتعتدل في طعامها وشرابها أم بخلنا وأسرفنا على أنفسنا بكل ما لذ وطاب، وسهرنا الليل لا قياما لله بل انغماساً في مسلسلات وبرامج أهدر عليها مليارات الجنيهات كان بإمكانها تغيير واقعنا إن كان بكل هذا السوء الذي أظهرته تلك الأعمال التي تهدم قيماً وتضيع أجيالاً ..هل استسلمنا لشهوات النفس فجرحنا صيامنا وشوشنا فطرتنا ونقاءنا الروحي ..هل أقلعنا عن ازدواجيتنا البغيضة بين تدين شكلي تترامى مساحاته، وتراجع أخلاقي وسلوكي تتسع مداراته ..هل يستقيم أن نُصنّف بأننا أكثر أهل الأرض تديناً ثم نكون أكثرها نهماً واستهلاكاً وكسلاً وتشرذماً وجدلاً..وأقلها إنتاجاً للغذاء والعلم والدواء والسلاح وحتى المسابح وسجادات الصلاة ..هل يرضى ربنا أن نؤدي العبادات شكلاً ثم لا نجد لها أثراً في معاملاتنا ونسينا أن القاعدة هي "الدين المعاملة" وحسن الخلق بنص الحديث الشريف.
ألا يدرك من يفعلون ذلك أن الدين جاء لتيسير حياة البشر واستقامتها ..وأن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، يسعى لقضاء حوائجه، يسنده في الشدة , ويدعمه في السراء والضراء ..وأن العبد في عبادة ما دام ينفع الناس ويطعم مساكينهم ويعين ضعفاءهم ويفرج كربات المهمومين منهم ويبر الوالدين ويؤدي الأمانات ولا يكتم شهادته، و يكف لسانه ويده عن الناس ، و يبتسم في وجه أخيه ويتلطف في معاملة من حوله و يكرم ضيفه ويكون سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى.
كظم الغيظ والعفو عند المقدرة فضيلة ورد الظلم عن المظلومين نبل وسمو روحي.. ورفض الرشوة فرض وغض البصر عن المحارم واجب.. ومراقبة الله في الخلوة إخلاص والصبر مكرمة والتواضع من شيم كبار النفوس والصدق طريق الجنة والنظافة عنوان المرء ومرآة بيئته.
جبر الخواطر ينجي صاحبه من جوف المخاطر والصدقة برهان ..وإذا أصلحت ما بينك وبين الله أصلح الله ما بينك وبين الناس..أصلح وأتقن وأحسن تكن قريبا من مولاك.
كيف نصوم عن الحلال في نهار رمضان فإذا جنّ الليل وقعنا في غواية مسلسلات لا ترحم وبرامج يثير أغلبها الغرائز ويحض أكثرها على الاستهلاك والجمود والكسل ..فهل يعقل أن يتكالب صناع الدراما والبرامج على أوقات الشهر الفضيل ويغرقونه بأكثر من 20 مسلسلا وبرنامجا تحوى الغث والتافه والضار والنافع والجاد والهازل.. ولا تخلو من بذاءات القول وسفاهات الأفكار والمواقف ..فماذا أراد بنا صانعوها..أكانت كعكة الإعلانات أكبر همهم أم كانت السيطرة على القلوب والعقول أسمى غاياتهم وإضاعة الأوقات وإشاعة روح الإحباط وتغذية عادات الاستهلاك الجائر وإثارة الغرائز وخدش الحياء العام والتربح العاجل دون جهد أو ثمرة حقيقية..ألا يفرغ هؤلاء الصيام من روحه الإيمانية وغايته الربانية..لماذا اختفت الشخصيات التاريخية في تلك الأعمال وكان يمكنها لو وجدت أن تبني وتلهم وتسمو بالوجدان والعقل والروح والهمة الوطنية في هذه الأيام الصعبة..ألم يكن أجدى بتلك الأعمال أن تستلهم روح الإصلاح وأن تغوص في أعماق قضايانا وشواغل أمتنا التي تخوض حرب وجود , وأن تقدم حلولا موضوعية صادقة لتحدياتنا، مستلهمة تجارب النجاح آخذة بأيدي المشاهدين نحو الاستنارة والرشد والوعي والفعل الإيجابي؛ فذلك ما تحتاجه أوطاننا.
ما أراد الله بالصيام تجويعنا ولا تعطيشنا بل أراد أن يعلمنا الصبر والشعور بآلام الفقراء وحرمانهم وإشاعة قيم التكافل ليعرف المسرفون منا قيمة ما يلقونه من طعام في سلال القمامة بينما يتضور أناس من حولهم جوعاً ويكابدون شظف العيش وقسوة الحياة، وليدنوا أغنياؤنا من فقرائنا الذين لهم حق معلوم في مال القادرين زكاة وصدقة من غير منٍّ ولا أذى أو ببناء مستشفيات ومدارس تنفع الناس.
هل كان رمضان مختلفاً هذا العام أم تكررت أخطاؤنا التي نقع فيها كل عام..حتى اتسع الفارق بين ما أراده الله لنا بهذا الشهر الفضيل وما فعلناه بأنفسنا فيه..أراد الله لنا أن نكف عن اللغو والصخب والفسق وكثرة الكلام حتى لو كان مباحاً ..وأبينا نحن إلا الشجار والغيبة والنميمة والحقد والحسد وتلقى رشاوى يعدها الموظفون إكرامية حتى يقضوا للناس مصالحهم.
هل وعى كل منا غاية الصيام ..فتبسم بعضنا في وجه البعض..ورحم كبارنا صغارنا ومسئولونا مواطنينا وخففنا آلام المنكوبين ووصلنا أرحامنا ووفّى كل مسئول ما عاهد الله عليه فنزل للجماهير وعايش مشكلاتهم على الطبيعة.. وتوقف التجار عن جشعهم رحمة بالفقراء والمحتاجين..هل أقلع البعض عن مرذول العادات مثل إلقاء القمامة في الشوارع وترك صنابير المياه مفتوحة تسرب المياه وتهدر مصدر الحياة..هل تصالح المتخاصمون والتأم شمل المتشاحنين..؟!
باختصار..هل بلغنا الغاية المرجوة من الصيام..وتحولنا به إلى سلوك إيماني على الأرض فتخلص الأغنياء ورجال الأعمال من شحهم وبخلهم وأنفقوا من أموالهم للتوسعة على المعوزين والمهمشين وغير القادرين على الكسب ..والأهم : هل اختفت أزمة المرور التي تزداد في رمضان وخصوصاً قبيل الإفطار و نهدر في زحامها قيم الصبر والرحمة والتعاون، وتنفلت أعصابنا بصورة مخيفة فتقع مشاجرات على أسبقية المرور ..ولماذا يزداد الكسل والتواكل بدعوى أننا صائمون والصيام من أفعالنا براء؛ ذلك أن رمضان فرصة حقيقية للانتصار على النفس والأعداء وتحقيق الإنجازات الكبرى وهنا ينبغي أن نتخذ من رئيسنا قدوة في العمل والنشاط فلم تتوقف جولاته الميدانية لتفقد المشروعات والالتقاء ببسطاء الناس والاستماع لهم ومبادلتهم الحديث الودي والاستجابة الفورية لمطالبهم.
وتقتضينا مراجعة النفس أن نسأل: هل يليق بنا أن يتراجع التواصل الأسري في المجتمعات المسلمة بصورة ملحوظة حتى اكتفى بعضنا برنات المحمول ورسائله فضعفت الروابط الاجتماعية وضل التماسك طريقه إلينا بعد كان مثار حسد الغرب.
هناك سلبيات كثيرة ما كنا نرجو أن تتكرر للأسف في هذا الشهر العظيم الذي لا تعد فضائله ولا تحصى نفحاته..وما أدراك ما ثوابه..ولا نملك إلا أن ندعو الله في عيدنا هذا أن يرزقنا الإرادة والنية الصادقة لتغيير أنفسنا والتخلص من سلبياتنا وسلوكياتنا الخاطئة وما أكثرها ..اللهم ارزقنا شجاعة الاعتراف بأخطائنا والرغبة في إصلاح أنفسنا، وما أشد حاجتها للإصلاح لقول الله تعالى: "وما أبريء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي".
اللهم ارزق حكومتنا ومسئولينا الرؤية السياسية المدركة للحجم الحقيقي لأزماتنا ومخاطرنا وتحدياتنا فيتعاملوا معها بما يناسبها ..اللهم ارزق وزراءنا القدرة على تبسيط الحقائق للناس والمصارحة والمكاشفة التي يطالب بها الرئيس السيسي مدركاً أنها أولى درجات الحل؛ فالالتفاف عليها وإخفاؤها بوعود وردية وآمال مضللة يزيدها تعقيداً ويوسع الفجوة بين الشعب وحكومته و يخل بالمصداقية ويضرب الثقة في مقتل ويجعل التفاعل الإيجابي صعباً وينحسر الدعم الشعبي المطلوب.
اللهم ارزق حكومتنا الفهم الصحيح لما ينبغي أن تكون عليه منظومتنا الصحية من مستوى فائق وتعليم منتج يبني العقول ويهدم الخرافة والجهل، وبحث علمي قادر على مسايرة العصر وإحداث نقلة نوعية في الفكر والاقتصاد والثقافة والسلوك الجمعي..فلا تقدم حقيقياً من دون تعليم راقٍ وبحث علمي قوي وهو ما أهملته للأسف الحكومات السابقة جميعها مع سبق الإصرار والترصد.
اللهم اجعل المصالح العليا لمصر فوق كل اعتبار..وارزقنا معارضة حقيقية فاهمة لا ديكورية ولا صورية، لا طفيلية ولا تسلقية، لا صوتية ولا ورقية..معارضة تفهم في السياسية والاقتصاد والاجتماع وتكون قوة مضافة لنظام الحكم ومؤسسات الدولة لا عبئاً عليها ولا خصماً منها ..معارضة تناضل بشرف ووطنية حتى تملأ كل فراغ يمكن أن يعود منه تيار الجماعات المتأسلمة من جديد.. وكفانا ما جنيناه من حكم الإخوان.
اللهم اجعل الحوار وسيلتنا للتفاهم والتوافق والتعاون بين الحكومة والناس وبين الحكومة والمعارضة وبين الناس بعضهم بعضاً ..اللهم ارزق المعارضة القدرة على تغيير نفسها أولاً قبل أن تطالب غيرها بالتغيير..وأن تمارس الديمقراطية بشفافية بين قواعدها وداخل أروقتها حتى تصبح مؤهلة لأن تمارسها في الفضاء العام ومع الآخرين.
اللهم اجعل إعلامنا موضوعياً مهنياً ومنصفاً يتحرى الدقة لأقصى درجة، صادقاً يجعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار ويكون ضميراً حياً للناس كل الناس..اللهم اجعل مصر آمنة بجنودها خير أجناد الأرض، محصنة ضد عواصف الفتنة الطائفية التي تهب عليها بين الحين والحين من هنا وهناك.
اللهم حبب العمل والإنتاج إلى قلوب عمالنا ..اللهم ارزق أبناءنا حب العلم والاجتهاد والتفوق واجعلهم أبناء بررة لوطنهم يحملون رايته بثبات ويقين حتى تظل خفاقة بين الأمم ..اللهم جنبنا أضرار سد النهضة واحفظنا من شر المؤامرات التي تحاك بين الفينة والفينة..اللهم احفظنا من شرور الأصدقاء والأعداء..واجعل مصرنا سخاء رخاءً لقْمتها من فأسها وكلمتها من رأسها..لا يملي أحد عليها شيئاً متماسكة جبهتها الداخلية وأهلها في رباط إلى يوم الدين..آمين..آمين..وكل عام أنتم بخير.