لم اقصد ان يكون العنوان صعبا او مبهما، ولكنه في الحقيقة نتيجة علمية دقيقة.. فمن التجربة تتولد الخبرة.. ومن تعدد الخبرات تتكون الرؤية.. وهناك احداثا ساهمت في تغيير أساليب التفكير ومنطق التحليل. من تلك الاحداث قصة وقعت اثناء الحرب العالمية الثانية، وقتها كانت الطائرات البريطانية تشن غارات يومية على برلين بهدف تدمير البني التحتية لألمانيا النازية، الا ان تلك الهجمات الجوية كانت تكلف الطيران البريطاني خسائر فادحة نتيجة قوة الدفاعات الجوية الألمانية وقد تؤدي في نهاية الامر الي هزيمة مذلة للتاج البريطاني.. وقرر قادة سلاح الجو البريطاني مواجهة خسائرهم والتعرف على أسبابها ونظراً لقدراتهم محدودة في ذلك الوقت وافتقارهم للإمكانيات العلمية الدقيقة لتحدد المناطق الضعيفة التي تحتاج إلى التدعيم، كان عليهم أن يخمنوا باستخدام الاستدلال المنطقي.
فلاحظوا الآتي: الطائرات التي عادت كانت مصابة بآثار الرصاص في الجناحين ومنتصف الطائرة بشكل مكثف، وبدرجة أقل في الجناح الخلفي، في حين أن كابينة الطيار والذيل لم تُمس تقريباً.
وبالتالي توصلوا إلى استنتاج مهم: وهو ضرورة تدعيم الجناحين ومنتصف الطائرة، لإنها الأماكن التي يسهُل اصابتها فيما يبدو. وبالفعل تم عمل التدعيم للطائرات الجديدة، وترقب المهندسون النتائج. ثم كانت الصدمة.. لم يحدث اي تغيير، لازالت أغلب الطائرات تتحطم، والقليل منها يعود!!
هنا قرر الجيش الاستعانة بعلماء من خارج التخصص، ووقع اختيارهم على العالم، ابراهام والد (Abraham Wald)، وهو عالم رياضيات نمساوي، هرب من فيينا بسبب الحرب.. وبنظرة العالم الواثق أخبرهم أنهم استخدموا منطقاً معكوساً في تفسير الاحداث، فالطائرات التي عادت من الجبهة وتعرضت لقذائف في الاجنحة والمنتصف، هي التي تحملت الضربات ولم تسقط، بينما لم تعد طائرة واحدة مصابة في كابينة الطيار أو الذيل، بما يدل أن هذه هي الأماكن الهشة فعلاً، وهي التي تحتاج إلى التدعيم..
وبالتجربة تأكدت صحة فكرته، ارتفعت نسبة الطائرات الناجية بمعدل فارق، فتم تطبيق المبدأ على بقية أسلحة الجيش. وكان هذا سببا فيما بعد لتغيير موازين التفكير. واسست هذه القصة لنموذج يسمى فيما بعد "بتحيز الاختيار" (Selection bias) والذي يعني أن تحليل المعلومات قد يخضع لعملية انتقائية بناء على معطيات غير دقيقة وذلك يؤدي إلى نتائج غير صحيحة. وأطلقوا على هذا النوع: تحيز البقاء على قيد الحياة (Survivorship bias).
اعتقد ان هذا النموذج يمكن لكل شخص ان يطبقه على حياته وإعادة قراءة الكثير من الاحداث والمواقف التي مر بها لمعرفة مدي توافق وصحة ما اتخذه من قرارات مع مقتضيات تلك الظروف والاحداث.
-----------
استاذ بجامعة حلوان