بالحسنى
كان فتح مكة لحظة فارقة بين عهدين يمر بهما العالم وليس الجزيرة العربية بل يمر بهما الدين الجديد ودولته ومنهجه الذي سيؤثر فى حركة الحياة فى الدنيا كلها على مدى الزمن . كان الفتح بداية لعهد ونهاية لعهد وحسمًا لصراع انشغل به الكون بإنسه وجنه وملائكته وبشره .
أما العهد الاول الذي زال فكان بالنسبة للمسلمين عهد إثبات الوجود والتشبث بالبقاء غير القابل للفناء وبالنسبة لمشركي مكة فقد كان عهد استئصال الفئة التى خرجت على قواعد النظام الديني والسياسي والاقتصادي فجعلت الآلة إلها واحدًا ،يحي ويميت ويعطي ويمنع ويعز ويذل ، وساوت بين البشر سياسيا لا تمييز بينهم إلا بالعطاء الايماني والسبق الى الاسلام وتراجع النظام القبلي ليحل محله منهج سماوي فريد يمثل فيه الفرد أى فرد كائنا بشريا له حقوق إنسانية وعليه واجبات وله حرمته ومكانته عند خالقة . ليس هذا فقط، بل ضرب الدين الجديد النظام الاقتصادي الذي كان يقدر فيه كباره بملكية العبيد الذين يماسون العمل سخرة عند ماليكيهم ففتح الابواب لتحرير العبيد بل جعلهم ومالكيهم سواسية بل يتجاوزون مالكيهم فى المكانه بقدر سبقهم للإسلام ،فإذا علمنا أن الرق كان قد وصل الى 80% من البشر أدركنا ما صنعه الاسلام .
كان مشركو الجزيرة العربية يأملون في القضاء على هذه الفئة وكانت ثقتهم فى تحقيق هذا الهدف لا تخامرها الشكوك وبفتح مكة سقطت هذه الامال
ونستطيع أن نرى هذين الحالين في موقفي طرفي الصراع يوم بدر فنجد الرسول صلوات الله وسلامه عليه يبتهل الى الله في أرض المعركة فيقول مما يقول: " اللهم نصرك الذي وعدت ،اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الارض أبدا " فهو يعلم كما أخبره ربه بأنه خاتم الأنبياء ولن يكون رسول بعده والمسلمون آخر الامم الموحدة فإذا هلك هؤلاء فلن يكون من يوحد الله ويحمل رسالة السماء نقية محفوظة الى الناس .
وعلى الجانب الاخر حيث معسكر المشركين نجد عمير بن وهب الذي كان يقوم باستطلاع جيش المسلمين لصالح المشركين ..نجده يقول للمكيين (إن عددهم ثلاثمائة يزيدون قليلا أو ينقصون قليلا ولا مدد لهم)"أي ليست هناك قوات احتياط تتدخل لصالحهم وقت الحاجة ".ثم قال: ( لكني رأيت يا معشر قريش البلايا "يقصد الابل " تحمل المنايا نواضح يثرب تحمل الموت الذؤام، قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم ،والله ما أري أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم فإذا أصابوا منكم عددهم "يقصد إذا قتلوا منكم ثلاثمائة قبل أن يموتوا" فما خير العيش بعد ذلك، فروا أمركم "أي فكروا فيما أنتم مقبلين عليه" ).
إذن كانت معركة بقاء يتشبث فيه المسلمون بوعد الله ويحاربون حرب نهاية ،ويظل المشركون على أملهم ودأبهم للقضاء على هذه الفئة في بدر وأحد والاحزاب. ومن يري تصويرالقرآن لمشاعر المسلمين فى معركة الاحزاب يدرك هذه الحقيقة " إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً " أما في فتح مكة فقد كان الامر غير ذلك.