رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معاً للمستقبل

لا أدري سبباً لحصول آبي أحمد رئيس وزراء أثيوبيا على جائزة نوبل للسلام..وهو ما يفتح باباً لتساؤلات عديدة عن الأسباب الخفية وراء منح تلك الجائزة العالمية لبعض الشخصيات حيث ذهبت حتى اليوم لنحو 106 أفراد و24 منظمة منذ تأسيسها في 1901.

جائزة نوبل للسلام يفترض أن تُمنح –كما يقول اسمها- لمن أسهموا في نشر السلام والتآخي والتعاون بين الشعوب والأمم..لكن شيئاً مختلفا وقع ثلاث مرات على الأقل في مسيرة تلك الجائزة، وفقًا لما أكدته تقارير شككت في مصداقية إعطائها لكل من الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما وآبي أحمد رئيس وزراء أثيوبيا والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات..وعلى النقيض من ذلك فقد رفضها السياسي والمحارب الفيتنامي لي دوك ثو بعد أن منحت له الجائزة عام 1973مناصفة مع هنري كيسنجر؛ معللاً رفضه بعدم الالتزام الكامل باتفاقية باريس للسلام التي تنظم عملية انسحاب القوات الأمريكية من فيتنام.

ومن يراقب بإنصاف ما يفعله آبي أحمد في مفاوضات سد النهضة يجد نفسه في مواجهة أسئلة ضاغطة فمثلاً: بأي حق حصد جائزة نوبل للسلام والعالم كله يرى ويسمع كيف يخادع ويراوغ وينقض عهوده واتفاقياته مع مصر والسودان حتى أفشل بتعنته مفاوضات سد النهضة وأوصلها لطريق مسدود يوشك أن يهدد باهتزاز المنطقة واضطراب الإقليم والعالم من حوله إذا لم يتدخل المجتمع الدولي لإلزامه بعدم الإضرار بمصالح دولتي المصب وحقوقهما التاريخية في مياه النهر.

آبي أحمد يتهرب من الوساطة الدولية والانصياع للدراسات الفنية حول مخاطر السد الإثيوبي.. ولا يتوقف عن التصريحات المستفزة من آن لآخر بأن بلاده ماضية في طريقها للملء الثاني سواء باتفاق أو بغير اتفاق مع دولتي المصب؛ وهو ما يرفع درجة التوتر بالإقليم ويجعل الأعصاب مشدودة طوال الوقت..ورغم حياد التقارير والدراسات الفنية حول مخاطر سد النهضة وما يحمله من أخطاء سواء في تصميمه أو مكان إنشائه وتداعيات ذلك مستقبلاً لكن أثيوبيا لا تأبه بتلك التحذيرات ولا بالمخاطر ولا تقبل بتحكيم فني من خبراء دوليين لأنها تعلم يقيناً أن ذلك لو حدث سوف يثبت جدية ما تبديه مصر والسودان من مخاوف وتحفظات حول تلك المخاطر.

أثيوبيا لم تلتزم حتى باتفاق المباديء الذي وقعته مع دولتي المصب، كما تتنصل من الاتفاقيات التاريخية وخاصة اتفاقية 1902 بدعوى توقيعها أيام الاستعمار رغم أن أثيوبيا نفسها لم تكن مستعمرة وقتها..ناهيك عن الصلف والتشدد الذي يكتنف تصريحات مسئولي أثيوبيا عند الحديث عن مفاوضات السد، وهو ما يطرح سؤالاً آخر: من يقف وراء أثيوبيا..من يعبث بمصالح مصر الحيوية في عمقها الأفريقي ..من يحرض آبي أحمد على تعطيش مصر والسودان..ألا يدرك أن المصريين لن يموتوا عطشاً بل يفضلون الموت دفاعا عن حقهم في كل قطرة ماء في نهرهم الأسمى..؟!

لو كانت أثيوبيا تريد تنمية فقط ما احتاجت لتخزين 74 مليار متر مكعب خلف السد..فتوليد الكهرباء يكفيه 14 ملياراً فقط كما يقول الخبراء ..لكن نظامها الحاكم جعل السد قضية سياسية يحلم بأن يجمع الشتات الداخلي الذي تمزقه الصراعات والحروب وآخرها ما يجري في إقليم التيجراي والعالم كله يعلم ذلك ولا يحرك ساكنا..وهو ما يثير قلقاً بأن شيئاً ما يجري تدبيره لمصر؛ ففكرة إقامة السدود على النيل الأزرق ليست وليدة اللحظة وإنما جري التخطيط لها منذ عقود خارج أثيوبيا التي يصر أصحاب القرار فيها على الوصول لنقطة اللاعودة ولا ينتبهون إلى أن النيل حياة المصريين فماذا بعد الحياة إلا الموت والهلاك..؟!

الشعب الأثيوبي ومعه شعوب العالم كله آن لها أن تعلم أن المصريين حريصون على تنمية أثيوبيا ورخاء شعبها.. لكن ليس على حساب حياة المصريين وحقوقهم التاريخية في النهر الذي يقود المساس به إلى صراعات نتائجها أخطر كثيراً مما يظن مشعلو الحرائق في منطقة تعايشت شعوبها سلما من آلاف السنين.

تحركات مصر والسودان في المحافل الإقليمية والدولية تعكس خطورة ما نحن مقدمون عليه إذا لم يتوقف آبي أحمد عن غيه وأحلامه الشريرة وأوهامه في السيطرة والتحكم في منابع النيل بقرار منفرد دون تنسيق واتفاق مع دولتي المصب؛ متغافلا عن حقيقة أن النيل نهر عابر للحدود يقطع نحو 6850 كيلو مترا كأطول أنهار العالم، جامعا في رحلته مياه أمطار تتراوح بين 42 و150 مليار متر مكعب سنوياً؛ ومن ثم فإنه مشمول باتفاقيات وقوانين دولية لا يجوز إنكارها أو العبث بها؛ فمصر ليست الدولة التي تفرط في حقوقها ولن تسمح لكائن من كان أن يتجاوز الخطوط الحمراء التي وضعتها قيادتها وأعلنتها أمام العالم أجمع.

فهل سمعنا مثلاً عن دولة أوروبية تنبع في أرضها مياه أنهار عابرة للحدود منعت عن جيرانها تلك المياه كما تحاول أثيوبيا مع جيرانها ..أليس السماح بذلك يؤسس لمبدأ دولي جديد يعيد البشرية لشريعة الغاب ويفجر الصراعات والحروب على المياه التي بشر بها البعض، جاعلاً حروب المياه هي أخطر تحديات هذا العصر.

حقوقنا المائية واضحة وعادلة لا تحتاج إلا لضمائر منصفة؛ وما ينبغي للعالم بمنظماته وأممه أن يعلمه يقيناً أن تجاهل أثيوبيا للقوانين الدولية للأنهار المشتركة هو إهدار للمواثيق الدولية والأطر الحاكمة لها ..وليس خافياً وهذا هو المدهش حقاً أن أثيوبيا وباعترافها هي بلد وفرة مائية لكن ما تستخدمه من تلك المياه لا يتجاوز 10% ومن ثم فهي ليست في حاجة لمزيد من المياه..فكيف لها أن تبني سدا يحجز خلفه 74 مليار متر مياه على نهر لا تزيد تصرفاته السنوية على 48 ملياراً ..فهل من العدل أن تصادر دولة المنبع أكثر من نصف إيراد النهر ولسنوات متعاقبة تزهق فيها ملايين من أروح السكان بدولتي المصب..فماذا يسمى ذلك غير العدوان والبغي والتحكم؟!

ألا يعلم المجتمع الدولي وعلى رأسه أمريكا التي رعت جانبا من المفاوضات أن سد النهضة واحد من سلسلة سدود تنوي أديس أبابا إنشاءها على النهر..فمن يشجعها على ذلك المسلك المريب.. وما أهدافه؟!

جهود مصر والسودان دبلوماسياً لا تتوقف، وتتحرك جميع الجبهات في الدولتين لإثناء آبي أحمد عن غيه وعدوانه على حقوق شعبيهما..وتخطيء أثيوبيا إذا تصور قادتها أنهم سيضعون المصريين أمام الأمر الواقع حين يصبح الملء الثاني للسد حقيقة أمام العالم أجمع..ولا مناص والحال هكذا أن تواصل مصر والسودان عرض القضية في المحافل الدولية ليفهم العالم ماذا تريد أثيوبيا من وراء سد النهضة الذي أقامته على حدود السودان، وهو اختيار ينطوي على خبث شدي؛ د ذلك أنه بني فوق فوالق أرضية معرضة للزلازل إذا ما اكتمل ملؤه محدثاً تغييراً في توازن التربة؛ وهو ما يخرق كل الأعراف الدولية .

السد الأثيوبي إذا امتلأ يحرم ملايين البشر من المياه في دولتي المصب،.. وإذا انهار فإنه سوف يجتاح بلا هوادة الأراضي السودانية مغرقاً الخرطوم بكاملها، مهدداً سلامة السد العالي الذي لن يتحمل تدفق هذا الكم الهائل من المياه دفعة واحدة.

نحن لا نعادي شعب أثيوبيا، ولا نصادر حقه في التنمية بل مددنا أيدينا ولا نزال بالتعاون والإخاء من أجل إحداث نهضتهم وهناك رؤى مشتركة وتفاهمات يمكنها تحقيق مصالح الشعوب إذا أراد حكام أديس أبابا .. وثمة اتفاقات تاريخية وقانونية للمياه تحكم علاقة الأشقاء في حوض النيل ، ويعرفها آبي أحمد الذي يريد أن يتحكم تماماً في حياة ملايين المصريين والسودانيين بقرارات انفرادية تمثل تهديدا وجوديا لأمننا القومي ومستقبل شعوبنا.

علاقة المصريين تاريخية؛ فقدماء المصريين هم الذين أعطوا للنيل اسمه كما أعطاهم روح الحياة ..وهذه الأمطار تتساقط بأمر الله تعالى في دول المنبع دون جهد من أي دولة وإنما هي الطبيعة والجغرافيا التي جمعت الدول التي ينبع ويجري ويصب في أرضها النهر ..ومن منح المياه للجميع قادر وحده على منعها عن الجميع ..فهل نسيت أثيوبيا علاقاتها التاريخية والدينية بمصر ..ألم تكن الكنيسة المصرية هي من يتولى اختيار بطريرك الكنيسة الحبشية من بين الرهبان المصريين على مدى 15 قرناً حتى جرى الفصل بين الكنيستين عام 1959..لم تتوقف خلالها مؤامرات الغرب عن إفساد العلاقة بينهما وهو ما يحاوله مجددا لإفساد العلاقة بين الشعبين بدفع أثيوبيا لحافة الصراع والهاوية، وهو ما لا نرجوه أن يحدث، بل نرجو أن تكلل جهودنا الدبلوماسية بانفراجة حقيقية لأزمة سد النهضة.

مصر ومعها السودان لا تزال تتعامل مع الملف بحسن نية، وتتخذ من التفاوض سبيلاً للتوافق وحلحلة الأزمة رغم ما تبديه أثيوبيا من تعنت وسوء نية واضح ولا يتوقف رئيس وزرائها ووزيرا الري والخارجية عن التصريحات المراوغة حيناً، والمتشددة حيناً آخر لاستهلاك مزيد من الوقت حتى يكتمل البناء والتخزين ويصبح السد أمراً واقعاً يهدر جهوداً تفاوضية قاربت العقد ويضيع حق المصريين والسودانيين في المياه وهو ما لن يحدث إن شاء الله.

لقد مدت مصر حبال الصبر مع حكام أثيوبيا، والتزمت مفاوضات طويلة وشاقة من أجل الوصول لاتفاق ملزم يحفظ حقوقنا التاريخية في مياه النهر، ويجنب البلاد والعباد شرور الاضطراب والصراع والحروب..فالنيل يعبر 11 دولة مما يجعل استغلاله مشروطاً بمراعاة مصالح تلك الدول مجتمعة وفق قواعد واتفاقيات دولية حاكمة لاستخدام الأنهار الدولية.

القاهرة التزمت التفاوض بحسبانه السبيل الأمثل لحل أي نزاعات، يليه في حال التعثر وساطة القوى الإقليمية والدولية وهو ما ترفضه أثيوبيا التي على قادتها أن يتذكروا أن القوانين الدولية لا تمنع استخدام القوة حال الدفاع الشرعي عن الحق، أو منعاً للضرر المحقق الذي ينتهك الحق في الحياة.

إن دراسات سد النهضة التي أجراها الجانب الأثيوبي غير مكتملة وتنطوي على مواطن قصور عديدة تؤثر على أمان السد ، وتمثل تهديداً مباشراً لدولتي المصب، وهو ما يجعل الأزمة مرشحة للتصاعد فعلياً لنقض أديس أبابا اتفاق المباديء الذي جرى توقيعه في الخرطوم بين الدول الثلاث 2015 والذي ينص صراحة على حماية مصالح دولتي المصب عند ملء خزان السد..وهو ما انقلبت عليه أثيوبيا بتوجيه أو بتحريض من قوى إقليمية ودولية تستخدم المياه ورقة للضغط على القاهرة عبر تحريض أثيوبيا التي ينبغي لقادتها أن يتذكروا أيضاً أن مياه النيل إذا كانت مجرد وسيلة لتنمية بلادهم فإنها حياة لمصر ولا حياة بدونها وكذلك الحال للسودان الشقيق..وكل الخيارات مطروحة للحصول على الحق الشرعي لمصر.

ويبقى السؤال: ألم تكن واشنطن شاهداً على تعنت أثيوبيا ورفضها التوقيع على مسودة اتفاق رعتها أمريكا والبنك الدولي ووقعت عليها القاهرة بالأحرف الأولى ثم انسحبت أثيوبيا رافضة التوقيع عليها، مهدرة جميع الجهود التي بذلت لصياغة تلك المسودة ..نرجو أن تبقى أمريكا وسيطاً محايداً قوياً بإمكانه إذا أراد إلزام أثيوبيا بالتفاوض الفعال والاتفاق الملزم الذي يضمن مصالح الدول الثلاث وأن تنتصر لحق دولتي المصب وأن تلتزم حتى النهاية بمبدأ أقرته هي في المرحلة النهائية للتفاوض بواشنطن بأنه لا ملء للسد قبل توقيع الدول الثلاث بحيث لا تضار دولة من تعنت دولة أخرى..الأيام القادمة فارقة في مسيرة النهر الذي خلقه الله ليهب الحياة للناس ..فمن يستطيع أن يمنع ما وهبه الله..؟!

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة