رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

بالحسنى

من وصايا ابن القيم رحمه الله البالغة التى تدفع المتأمل أن يعيد حساباته كلما سيطرت عليه الهموم أو حاصرته الأحزان قوله: البلايا ضيوف فأحسنوا قرها حتى ترحل إلى بلاد الجزاء مادحة أو قادحة"

والبلايا هي كل ما يمر بالانسان في حياته من اختبارات تتمثل في أحداث يظنها شرا أو عقابًا من الله له والحقيقة أنه ليس كل ما يظنه أو يتصوره الإنسان خيرًا يسعى للحصول عليه ويجهد نفسه في ذلك ويمنيها الأمنيات ويحسب لها الحسابات وما يلقاه من سعادة ـ قد لا يكون خيرًا وقد أخبرنا الله بذلك في كلامه وأخبرنا بذلك في أحداث التاريخ من خلال القصص التى هى أحسن القصص في كتابه ومن خلال ماحفظه لنا التاريخ البشري المتناقل عبر الاجيال فكثيرًا ما وجدنا الذي رآه صاحبه خيرا لم يكن خيرا وما رآه الناس شرًا لم يك شرًا .

أما في كلامه سبحانه وتعالى فنجده في قوله تعالى : "ويدعو الانسان بالشر دعاءه بالخير وكان الانسان عجولا " أي أن الإنسان يرفع أكف الضراعة إلى ربه أن يعطيه كذا وكذا ويحقق له كذا وفي الحقيقة هذه الإمنيات ليست خيرا له ،كما يعلمنا أن نتعامل مع كل شيىء برضي باعتباره قدرالله وقضاؤه الذي لا تجري حكمته بالحسابات البشرية وإنما بحسابات إلهية لا علم لنا بها حيث يقول تعالى: "لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحو بما آتاكم " .

أما عمليا فكان هناك نموذجان أحدهما عبارة عن أحداث مأساوية تنتهي بصاحبها إلى خير قد لا يناله لو أن هذه الاحداث لم تقع حيث يتحول الابتلاء إلى نعمة .ومن هذه النماذج القرآنية سيدنا يوسف الذي ألقي فى البئر وتم بيعه رقيقا وسجن ثم عاد ليتولى خزائن الارض التى هى مصر ثم يتولى الحكم و على الجانب الاخر"قارون" الذي ملك خزائن الارض وحسده قومه على ما أعطاه الله لينتهي به الامر الى الخسف حتى فزع الناس مما حدث وحمدوا الله لأنه لم يمنحهم ما منحه كما كانوا يتمنونه وهو أمر يصوره القرآن فيقول تعالى

"وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ"

والثاني هو ما يمنحه الله لبعض عباده من علم لدني لا طاقة للبشر العادي على فهمه ونموذج ذلك العبد الصالح الذي التقاه سيدنا موسى فرأى معه ما ادهشه من تصاريف القدر ولم يطق معه صبرا لأنه بالحسابات العادية لا يتفق ما حدث مع منطق الاشياء الامر الذي افزع موسى وأخرجه عن ضبطه لنفسه واضطر أن يسأل ويعترض عما يراه .

وإذا عدنا إلى تاريخنا فنجد الاقدار تنتهي بسيف الدين قطز الذي خطف وباعه الخاطفون رقيقا ثم يصبح ملك يحكم مصر والشام والحجاز ويقود معركة المسلمين الكبري التى أنقذ بنصره فيها العالم الاسلامي كله بل العالم كله من همجية التتار وهي معركة عين جالوات وكذلك الظاهر بيبرس الذي جري له ما جري لقطز فينتهي به المقام الى ان يحكم امبراطورية مترامية الاطرف من العراق شرقا حتى المغرب العربي غربا فضلا عن الحجاز ويؤلف له الناس الملاحم التى تتغني بما حققه من انجازات تنموية في ذلك الوقت .

من هنا فإن ابن القيم يعلمنا أن البلايا لا يستطيع أحد دفعها ولا يستطيع أحد أن يتكهن بحكمتها العليا وهي عطايا الرحمان أو رسله فهي ضيوف وعلى الذي يريد ان يلقى ربه مثابا مما يقع له فهو من يرضي ويصبر كما قال يوسف عليه السلام " إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ" اما من لا يرضى ويتبرم فإنه لن يمنع بلاء وقد يحرم من الثواب.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة