أكرمنا المولى - عز وجل - بشهر الصيام ، وجعله زادًا للتقوى ومربحًا للأجور، وكفارة للآثام ، فرمضان فرصة لمن كان في حياته مقصرا ليلحق ، ولمن استحق بذنبه النار ليُعتق ، ولقد انتصف الشهر المبارك إلا أن لياليه لم تزل مطايا للظاعنين إلى عفو الله ورحمته.
إن رمضان شهر الذكريات ، والفتوحات ، والانتصارات التي كانت سبباً في رفعة الإسلام ، وحفظ الأمن وقيام الحضارات ، وفي مثل هذه الأيام من الشهر المبارك وتحديدا في السابع عشر في العام الثاني من الهجرة كانت غزوة بدر أول مواجهة عسكرية في الإسلام قامت بين الحق والباطل ، والتي سماها الله يوم الفرقان ؛ لأنه أعلى فيه كلمة الإيمان ، وأظهر دينه ونصر نبيه .
حضر النبي الغزوة بنفسه ، ونزل ألف ملك من السماء يقدمهم جبريل عليه السلام ، ومن شهد ذلك اليوم من المؤمنين فذنبه مغفور ، ومحرم عليه النار وكان في أعالي الجنان ، ومن حضره من الملائكة فُضّل على غيره من أهل السماء .
إن يوم بدر فيه عبر وآيات ، ودروس ومعجزات ، حاربت قريش دين الله ، وخرجت وساداتها ؛ لإبادة المسلمين ، وسجل القرآن هذا المشهد بقوله تعالى : " ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس "
ولما دنت قريش من بدر ، وعددهم بقدر المسلمين ثلاث مرات ، بات النبي ليلتها يدعو ربه ويسأله النصر ، واستجاب الله لدعائه ، وبشر أصحابه بالنصر ، وأخبرهم بمواضع مصارع رؤوس المشركين ، واجتمع الجيشان على غير ميعاد لحكمة يريدها الله . قال تعالى : " ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا " .
لقد ألقى الله على المؤمنين النعاس أمنا وطمأنينة ، وقلل أعداد المسلمين في أعين المشركين لكي لا يفروا ، وقلل أعداد المشركين في أعين المسلمين ليقدموا . قال تعالى : " وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا " .
التقى الجمعان وحمي الوطيس ، وألقى الله الرعب والخوف في قلوب المشركين ، وحرّض النبي المؤمنين على القتال ، فصحابة رسول الله خير صحب لخير نبي ، فقد ضربوا أروع الأمثلة في الجهاد ، والدفاع عن دينهم ورسولهم ، فكان لهم النصر المؤزر الذي بدأ بماء طهر المؤمنين ظاهرا وباطنا ، وثبت أقدامهم ، وربط على قلوبهم . قال تعالى " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام ".
وقاتل النبي بنفسه قتالاً شديداً ، وأخبر الله المؤمنين بقتال الملائكة معهم بشارة لهم ، وقتل في الغزوة سبعون مشركا ، واستشهد أربعة عشر صحابيا أصابوا أعالي الجنان .
وفي الختام اقول : وصل الإسلام إلينا بتضحيات جسام فاضت لأجله أرواح ، وعلى مر العصور بقي محفوظا كاملا في أحكامه وتشريعاته صالحاً لكل زمان ومكان ، فواجب علينا أن نتبعه ، وننشره ، وننصره .