معاً للمستقبل
تاريخ مصر لا يخلو من العظمة والتفرد؛ فمنذ أكثر من سبعة آلاف عام عرف المصريون القدماء الحضارة والمعرفة، وأنتجوا آثاراً تنطق بالعظمة وتبلغ حد الإعجاز..ولعل انبهار العالم بمشهد نقل المومياوات الملكية الاثنتين والعشرين من متحف التحرير إلى متحف الحضارة بالفسطاط يدلنا كيف يرى ذلك العالم مصر بعين الإجلال والتقدير؛ فالعظمة التاريخية لا توهب ولا تستجدى بل هي نتاج جهد وعمل وعلم وتفرد لا ينكره كائن من كان..هكذا تجلت عبقرية الحضارة المصرية على العالم ونطقت بأبدية الخلود وروعة الهندسة التي حفظتها من عوامل الزمن وتقلباته وظواهر الجغرافيا وأحكامها.
وإذا كان من حقنا أن نفخر بما صنعه الأجداد؛ فليس أقل من أن نعمل على مواصلة هذا التفرد بمزيد من العلم والعمل والإنجاز في كل مكان ومحاربة الإهمال؛ ولمَ لا وقد كانت مصر حاضرة بقوة في كل منعطف تاريخي يهدد وجود هذه الأمة؛ فعلتها حين تصدت للهكسوس وانتصرت عليهم..ثم أعادت الكَرَّة وأوقفت زحف التتار وتخريبهم لكل ما تطاله أيديهم شرقاً وغرباً فانكسرت شوكتهم على يد قطز وبيبرس.. كما حمت عالمها العربي والإسلامي بقيادة المظفر صلاح الدين الأيوبي من غائلة الحملات الصليبية التي احتشدت لسلب خيرات المنطقة ومص دماء أبنائها باسم الدين..وشيدت في العصر الحديث مشروعات كبرى في مواجهة صلف الإمبريالية العالمية التي وضعت في طريقنا العراقيل حين أرادت مصر بناء سدها العالي فمنعت عنها التمويل والمعونة لكنها بعزيمة الرجال ووحدة الصف أنجزت مشروعها في بضع سنين وصار حلمها المستحيل واقعاً يحمي أرضها من الفيضان والعطش ويختزن قدراً كبيراً من المياه تقي البلاد والعباد شر الجفاف وانحسار الماء إذا ما وقع ، كما يمدها بالطاقة على نحو غير مسبوق.
وفي خوضها للمعارك الكبرى وحتى مع تعرضها لنكسة يونيو 1967 لم تنكسر إرادة مصر ولا ضعفت همتها بل تغلبت على الإحباط سريعاً، ولم تترك لليأس فرصة بل سارعت للإعداد والمواجهة وخوض حرب استنزاف طويلة المدى بجبهة داخلية متماسكة وظهير وطني لا يعرف الانقسام ..أظهر المصريون كعادتهم بأساً شديداً وواصلوا العمل ليل نهار حتى استنفدوا طاقة العدو وحققوا نصراً مؤزراً عليه بلغ حد الإعجاز العسكري في العاشر من رمضان، السادس من أكتوبر73؛ نصراً كان ملحمة ومضرب الأمثال في الشجاعة والصمود وحب الوطن والكفاءة وعبقرية التخطيط والتنفيذ بروح قتالية أبهرت العالم بروعة ما صنعوا و حطمت أسطورة العدو الذي لا يقهر وأذهبت غطرسته وبددت مزاعمه وأوهام قادته.
وحدة الصف وتماسك الجبهة الداخلية وسلامتها هي كلمة السر في انتصارات مصر وخلودها.. في نصر 10رمضان، 6أكتوبر كانت تلك الجبهة في أحسن حالاتها وعياً وإيماناً؛ لا خائن فيها و لا متخاذل ولا مثبط للهمم والعزائم..وقد يدهش المرء حقاً إذا علم أن أقسام الشرطة وقتها لم تسجل حالات تذكر في القتل والسرقة..وكان إعلامنا في أعلى درجات المهنية والكفاءة والاستنارة الوطنية..هكذا تظهر المعادن الحقيقية للمصريين في أوقات الشدة.
تاريخ مصر مشهود وحافل بالبطولات ضد الاستعمار والإمبريالية؛ ناضل عرابي ورجاله، وسعد زغلول ورفاقه ومصطفى كامل وأعوانه ..ومن بعدهم جاء رجال بالجيش ليفجروا ثورة 23 يوليو 1952، وأطاحوا بما بالاستعمار والإقطاع والفوارق الطبقية.. ثم أعاد المصريون صناعة التاريخ بثورة 30 يونيو بإبداع وعبقرية وقدرة خلاقة على الإبهار عندما أزاحوا حكم الإخوان واختاروا رئيسهم عبدالفتاح السيسي بإرادة شعبية خالصة لم تخضع لمشيئة أحد هنا أو هناك كما جرت العادة..بل اصطفت حشودهم أمام صناديق الانتخاب ناطقة بالوعي والاستنارة والرغبة في إنقاذ وطن كاد يغرق في مستنقع العنف والفوضى.
ولسوف يذكر التاريخ للسيسي أنه انحاز للشعب وللدولة الوطنية وقت أن كان وزيراً للدفاع؛ وقرر السباحة ضد تيار عاتٍ من حلف الشر، وحمل روحه على كفه نزولاً على إرادة الملايين الذين خرجوا للشوارع، مطالبين بإبعاد جماعة الإخوان عن الحكم بعد عام واحد..فماذا لو أخفقت تلك المساعي وتمكنت الجماعة من الرجل ..ماذا كانت ستصنع به وبنا..وماذا لو لم يتدخل الجيش لإنقاذ البلاد من حرب أهلية كنا على شفا حفرة منا ..؟!
عطاء المصريين لا يتوقف منذ فجر التاريخ وحتى اليوم، وقد شيدوا حضارة عابرة للعصور لا تزال شاهدة حتى اليوم على عظمتهم؛ فإلى جانب السد العالي أنجز المصريون قناة السويس الجديدة ومن قبلها مترو الأنفاق هرم مصرالرابع الذي شيدته عقول أبنائها و سواعدهم بمساعدة خبرات أجنبية قليلة، وسبقت به أقرانها من الدول العربية والأفريقية كافة، ولا تزال شبكة المترو تستكمل أطرافها لتصل لكل مكان في القاهرة الكبرى وضواحيها باعتبارها حلاً جذرياً لمشكلات التلوث والاختناق المروري .
واقتحمت مصر في عهد السيسي كل مجال، وصنعت المستحيل لإقامة مشروعات عملاقة في الزراعة واستصلاح الأراضي والإنتاج الحيواني والسمكي لتوفير غذاء آمن وبأسعار في متناول اليد..وفي الطرق والكباري والأنفاق الممتدة في كل ربوع مصر..وفي العاصمة الإدارية الجديدة والمدن الجديدة التي انبثقت كظهير عمراني للمحافظات المختلفة، يمتص الزيادة السكانية المطردة، ويوفر فرص عمل تسهم في خفض معدلات البطالة..وفي شبكة الكهرباء ومحطاتها التي أنهت زمن انقطاع التيار المتكرر ووفرت لأول مرة فائضاً كبيراً في الطاقة يمكن تصديره ..أو مشروع التكنولوجيا المتطورة والجامعات الذكية المبدعة والتحول الرقمي في كل شيء.
آلاف المشروعات يجري إنجازها في كل مكان على أرض مصر التي ترد الآن على من يسيئون إليها بالعمل والإنجاز وحيازة أدوات القوة والتقدم ..وتلك هي مقومات القوة الحقيقية للحفاظ على بقاء الدولة وفرض احترامها على الجميع.
ثمة رسائل عديدة كاشفة لأمور مهمة أكدتها السنوات الأخيرة؛ فالشارع يرفض الإخوان ولا يثق فيهم، ولسان حاله يقول لهم بوضوح: لا مقام لكم ..كفى ما فعلتموه وما زلتم ببلدنا من دمار وخراب،وشائعات ومغالطات لا هم لها إلا تشويه وجه مصر وإهالة التراب على ما يجري فيها من إنجازات.
الشعب اختار الاستقرار والتنمية بعد أن تأكد له أن البديل مرٌّ ومدمر، وقد ارتضى في سبيل ذلك أن يتحمل مصاعب الإصلاح الاقتصادي رغم قسوته، ومن ثم فهو يستحق كما قال الرئيس السيسي في مناسبات عديدة أن يعيش حياة أفضل وأكرم..ولا يكف الرئيس عن دفع الحكومة لتخفيف متاعب هذا الشعب وتذليل الصعاب من طريقه وتوفير مقومات الحياة الكريمة له، في شتى ربوع مصر وخصوصاً الريف الذي حظي باهتمام الرئيس ومبادرته الهادفة للنهوض بحياة 55 مليوناً من سكانه بتكلفة تفوق ال500 مليار جنيه.
مسلسل "الاختيار 2" أحدث ردود أفعال واسعة؛ وهو يكشف بوضوح حجم جرائم الإخوان في مصر ، و كيف أرادوا بها سوءاً في أعقاب الإطاحة بحكم الجماعة التي كانت توظف كل شيء في سبيل تحقيق غاياتها، وكيف كانوا يدعون للتظاهر بعد أحداث 25 يناير ثم يتركون المتظاهرين يخرجون للشوارع والساحات والميادين ثم يعكفون هم على التخطيط للانقضاض على السلطة والتكويش على المناصب وإقصاء الآخرين حتى لو كانوا من نفس التيار أو من المتعاطفين معه، معتبرين أنهم أعداء أو خصوم ..الأمر الذي فطن إليه الشعب وأدركه ولم يعد يثق فيهم أو يأمن جانبهم..فهم أخطر ما عرفته مصر منذ طرد الهكسوس من أرضها ولا يقل خطرهم عن الإرهاب والتهديد المائي الذي يمثله سد النهضة الإثيوبي..هذا المثلث يظل أصعب ما عرفته مصر في تاريخها..فليس أخطر من عدو يسعى بيننا متستراً برداء الأفكار والتصورات المغلوطة عن الدين ..وهو ما يشكل حلفاً خفياً مع عدو ظاهر لا يرجو لمصر خيراً ولا أن تقف على قدميها ..ولعل ذلك ما يفسر تعنت إثيوبيا وصلفها ومراوغتها في مفاوضات سد النكبة ..ورغم عدالة قضيتنا وجلاء حقوقنا لكن إثيوبيا تتهرب من توقيع أي اتفاق قانوني ملزم يضمن الحفاظ على حقوقنا المائية؛ الأمر الذي يؤكد أن هناك من يقف وراءها ويدفعها دفعاً للتشدد في موقفها ..ورغم ذلك يصمت المجتمع الدولي رغم إلمامه بتفاصيل القضية وملابساتها التي تحاول إثيوبيا إظهار نفسها في موقف الضحية في المحافل الدولية..ما دفع مصر لخوض معركة دبلوماسية سياسية على أعلى مستوى بالتنسيق مع السودان الشقيق لتفنيد المزاعم وإثبات الحق ..وهي معركة وصلت لمجلس الأمن والأمم المتحدة والمنظمات الدولية ذات الصلة والدول الكبرى.
أثيوبيا نكثت عهودها ونقضت تعهداتها وانقلبت حتى على اتفاق المباديء الذي وقعته الدول الثلاث قبل 6 أعوام ..وهو ما يعلمه البنك الدولي وأمريكا تمام العلم لكونهما شاهدين على انسحاب أديس أبابا من التوقيع على مسودة اتفاق رعتها واشنطن والبنك الدولي ووقعت عليها مصر بالأحرف الأولى..وهو ما آن للمجتمع الدولي أن يتداركه إنقاذا لما يمكن إنقاذه ودرءاً لخطر قد يجر المنطقة كلها إلى ما لا يحمد عقباه.
ورغم صعوبة ما تواجهه مصر اليوم من تحديات وصعوبات ومحن فإن بقاء جبهتها الداخلية متماسكة كفيل بتحقيق النصر ووأد الشائعات والدسائس والفتن في مهدها ومهما تكن ضراوتها وهو ما يعيدنا إلى ما قاله الرئيس السيسي في إحدى الندوات التثقيفية لقواتنا المسلحة :" رغم أن إمكانياتنا قبل حرب أكتوبر لم تكن تسمح بالدخول لعمق سيناء بأكثر من 20 كيلو متراً فإن النصر تحقق وانتزعنا الأرض من عدوٍ لم يكن ليسلِّم إلا بعد أن أذقناه الثمن الحقيقي للحرب، وإن الإرادة والدم والمخاطرة كان ثمناً ضخماً دفعته مصر من أجل استرداد سيناء، وإجبار إسرائيل على قبول السلام..." وهذا ما يجعلنا نردد مع الرئيس السيسي مقولته الأثيرة :" إن جيشنا الذي استطاع بجدارة أن يفعلها مع العدو الصهيوني مرة قادر على أن يفعلها في كل مرة؛ سواء أكان هذا العدو ظاهراً أم خفياً كما هو حادث الآن..".
اليوم هو العاشر من رمضان يعيدنا لذكرى انتصارات عظيمة سيظل التاريخ يذكرها بالفحص والدرس والتأمل طويلاً ؛استخلاصاً للعبرة وينبغي لمؤسساتنا كلها استلهام تلك الروح الوثابة في أداء ما عليها من واجبات ومهمات وعلى رأسها إعادة تشكيل وعي الشباب وأفكارهم وفهمهم للواقع وإدراكهم لتحديات الحاضر والمستقبل على أسس سليمة ليعلم كيف يساند دولته بروح عالية وعلم وإيمان بقيمة الأوطان.
ما أحوجنا لعودة قوتنا الناعمة في الإعلام والثقافة والفن والرياضة والبحث العلمي لتمارس دورها الرائد، مناصرة قضايانا المصيرية والذود عن حقوقنا وتحصين الوطن ضد رياح الفتن والشائعات التي لا يكف صانعوها عن استهداف جبهتنا الداخلية طمعاً في إحداث ثغرة تمكنهم من الوصول لأهدافهم وجرحرة مصر للفوضى..وتزداد حروبهم ضراوة كلما لاح في الأفق ثمرات الإنجاز أو إرهاصات الاستقرار والازدهار..حفظ الله مصر وجعل أهلها في رباط إلى يوم الدين.