قبل بضعة أعوام كتبت مقالاً في جريدة المساء قلت في مقدمته نصاً : "عاتبني الصديقان نجاح محمد عباس وعاصم مغاوري، ومن بعدهما فضيلة الشيخ كمال عبداللطيف يوسف (رحمه الله) لعدم الكتابة عن هموم قريتنا كفر صراوة أشمون- المنوفية .. أما أحدهم فقد بادرني سائلًا : لماذا لا تكتب عن سوء حالة مياه الشرب ..واستدرك الثاني: أو تكتب عن مشكلات التأمين الصحي ..وأما شيخنا فأوصاني بقريتنا خيرًا.. والحق أني شعرت بالتقصير في حق قريتي وأهلها ومشكلاتها، وانشغلت عنها بهموم بلدنا الأكبر تمامًا كما فعلت حكومات متعاقبة أهملت الريف لحساب العاصمة والمدن الكبرى.. وربما كانت كفر صراوة نموذجًا شائعًا لنقص الخدمات ورداءتها ؛ فليس بها إلا مدرسة ابتدائية يتيمة تضج بكثافة طلابية عالية، وتعجز عن استيعاب أي زيادة جديدة،ووحدة صحية لا يتوفر بها طبيب مقيم وليس فيها مركز شباب يستوعب طاقات الأجيال المتجددة ، ولا مدرسة إعدادي تغني أبناءنا عن الذهاب لقري مجاورة يكتنفها المتاعب والمخاطر ..أما الأخطر فهو غياب الصرف الصحي وما يعنيه ذلك من كوارث صحية وبيئية لا حدود لها ..وقس على ذلك عشرات بل مئات القرى.
اليوم.. تغيرت قريتي الصغيرة وصارت في بؤرة الاهتمام أضيفت إليها مدرسة جديدة للتعليم الأساسي، ومركز شباب يعمل بكفاءة وحماس..والأهم أنها تترقب بفارغ الصبر تشغيل مشروع صرف الصحي انطلقت أعماله قبل أكثر من عام لينهي معاناة السنين وينقذها من مستنقع مياه المجاري التي تسبح فوقها .. كما تنتظر إمداد مناطقها المحرومة بالمياه النظيفة، وهو ما أعتبره إنجازاً لا يدانيه إنجاز لما له من مردود صحي وبيئي واقتصادي كبير على القرية التي تنتظر أيضاً اللحاق بعصر الرقمنة عبر تركيب ماكينتي atm للتيسير على أهلها كما قالت صفحة مناسباتها على فيس بوك.
اليوم.. جرت في النهر مياه كثيرة، وصار تطوير الريف أولوية قصوى على أجندة الرئيس السيسي الذي وجه الحكومة بتنفيذ مبادرة حياة كريمة للنهوض بأحوال أبناء الريف والصعيد باعتمادات كلية نحو20 مليار جنيه للمرحلة الأولى ب (375 قرية)، يستفيد منها نحو 4.5 مليون مواطن، وتستهدف المبادرة تغطية كل قرى الريف المصري خلال الأعوام الثلاثة القادمة، بإجمالي عدد مستفيدين يقرب من 50 مليون مواطن، وبتكلفة كلية تبلغ 500 مليار جنيه، ويغطي العام الأول 51 مركز بإجمالي 18 مليون مستفيد؛ وهو ما يجعلنا نقول بارتياح إن الوضع تغير كثيراً وسوف يكون أفضل وأفضل بعد إتمام تلك المشروعات على النحو المنشود وفي توقيتاتها المحددة.
ما يزيد جرعة الأمل أيضاً أن الخطة الاستثمارية الجديدة للدولة للعام المالي 2021/ و2022 والتي أعلنت عنها وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية منذ أيام اشتملت على استثمارات حكومية بنحو1.25 تريليون جنيه، الأمر الذي يضخ حيوية ويعطي دفعة وزخما جديداً لما يجري تنفيذه من مشروعات قائمة، وما يستجد منها.
ما يجرى في قرانا وريفنا جعلني أتابع بشغف ما يجري تنفيذه هناك من مشروعات بنية تحتية كبرى، بشرني المهندس سامي سرور رئيس مركز ومدينة أشمون- المنوفية والذي يضم أكثر من 66 قرية وتابعاً بنسب تنفيذ عالية بالمشروع القومي لتطوير القرية المصرية (حياة كريمة) بالمركز وقراه؛ ولعل استعراض بعض أرقام تنفيذ تلك المشروعات في قرى مركز أشمون يعطينا دلالة واضحة لمدى الجدية والالتزام بالتوقيتات المحددة لها سلفاً ، وهي مشروعات تجرى في شتى ربوع مصر وليس في قرى المنوفية وحدها؛ فمثلاً قرية شما انتهت من تنفيذ مشروع الصرف الصحي بنسبة100% كما أوشكت على الانتهاء من تنفيذ مشروع الغاز الطبيعي بنسبة إنجاز بلغت 97.6% ومشروعات المياه 65% ..لكن توقف العمل بها انتظاراً لورود مواسير المياه قطر 12 بوصة من الشركة المنفذة وهو ما نرجو سرعة تذليله حتى تكتمل منظومة النجاح .
وفي قرية رملة الإنجب تم إنجاز 90% من مشروعات المياه و25% من الصرف الصحي.
أما قرية شطانوف فقد أنجزت 60% من الصرف الصحي ..ومثلها لقطاع المياه بقرية شنشور و30% للصرف الصحي بشوارعها الرئيسية و 90% للشوارع الفرعية.
وفي قرى كفر عون ومنيل جويدة وحلواصي البلد يجري تنفيذ خطوط انحدار الصرف بمعدلات 80%، 70%، و40% على التوالي.. وبنسب 95% و80% و 60%و 35% بمحطات الرفع وخطوط الطرد والانحدار في قرى شنواى وساقية أبوشعرة وسملاي وكفر الحما على التوالي ..أما جريس فقد شهدت تنفيذ 63% من مشروعاتها في قطاع المياه.. كما تم بالفعل تسليم محطة الصرف للهيئة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي في كل من بوهة شطانوف وكفر منصور بوحدة البرانية.
تفاصيل تلك المشروعات كثيرة، لا يتسع المقام لذكرها؛ وهي في الواقع تفاصيل أمل وطاقة نجاح ينبغي تسليط ضوء كثيف عليها؛ شداً لأزر القائمين بها ليضاعفوا جهودهم ويزدادوا حرصاً على دقة العمل وسرعته لينعم المواطن في الريف بخدمات آدمية تقنعه بأن الحكومة تعمل من أجل راحته ورضاه.. وتلك غاية لو تعلمون عظيمة فالنتيجة مزيد من الاستقرار والازدهار وتماسك الجبهة الداخلية التي هي أعز المطالب في الفترة الحالية التي تكتنفها الصعوبات والتحديات وأبرزها التحدي المائي .
اهتمام الدولة لا يتوقف بدفع المبادرات المختلفة نحو إنجاز أهدافها في بناء الإنسان؛ ملتمسة شتى السبل لدعم أهداف مصر وأولوياتها التنموية،وآخرها استقبال الرئيس عبدالفتاح السيسي، اليوم، أوديل رينو باسو، رئيس البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية لبحث العمل على زيادة مساهمته في تمويل المشروعات التي يتم تنفيذها في مصر، وفي القلب منها مشروع تطوير قرى الريف المصري، وبرامج الإسكان وشبكات الأمان الاجتماعي..تحية لكل يدٍ تبني..وكل عين تحرس الوطن..حفظ الله مصر وجنبها شر الفتن.
"حياة كريمة" تهدف إلى التخفيف عن كاهل المواطنين بالمجتمعات الأكثر احتياجاً في الريف والمناطق العشوائية في الحضر عبر تنفيذ مجموعة من الأنشطة الخدمية والتنموية التى من شأنها ضمان “حياة كريمة” لنحو 50 مليونا من أبناء الريف وتحسين ظروف معيشتهم..وهي مبادرة سوف تغير وجه الحياة على أرض مصر، وسوف يكون مردودها أكبر وأسرع إذا ما انضم لها رجال الأعمال والأغنياء وأبناء مصر في الخارج ..فللوطن حق على أبنائه وقد آن لهم أن يردوا له الجميل.