في حي السيدة زينب، وفي ليلة من ليال مصر الرمضانية الساحرة، وفي حضرة صاحبة المقام الطاهر، وبعد سحور بديع انفردت بذي الطلعة البهية، بالرجل الذي غادر دنيانا من أكثر من مائتي عام، ولكنه لا يزال يحيا معنا بعد أن أحيا مصر بقلمه في كتابه عجائب الأثار، ولأني مغرم بالقاهرة في هذا الزمان، ولأني لا أجد لي أمنية أكبر من أن أرى المحروسة في هذا الزمان فقد تركت الحضور الكرام وتركت المكان والزمان، وانفردت بمولانا وسيدنا عبد الرحمن الجبرتي وطلبت منه أن يحدثني عن القاهرة في زمانه حيث أيامها الرمضانية ذات السحر الخلاب، وشوارعها وحوانيتها ومقاهيها ذات العجب العجاب، أجابني مولانا إلى ما أريد، وحدثني عن القاهرة قائلأ:
سأعود بك يا بني مائتي عام ميلادي، وإلى رمضان عام 1815 حيث شوارع المحروسة وقد أضيئت بالقناديل، وحيث المنارات أضيأت فكأن رمضان سَحَرَ ليل المحروسة فاستحال ليلها نهارًا مبهرًا رائعًا بديعًا ساحرًا .
وحيث شوارع القاهرة وقد امتلأت بصانعي الكنافة والكعك وأصناف المربيات وقد كان من العادة في شهر رمضان عمل الكعك والرقاق المعروف بالسحير ووقود القناديل على أبواب الدور وعلى الحوانيت .
ولكن طوائف من ساكني بلادنا أبو إلا أن يكونوا مصدر إزعاج لأهل المحروسة، ومنهم يكون الكدر الذي يعم البلاد، واسمع مني يا بني شيئًا مما حدث في رمضان في عام 1815، في الثامن عشر من شهر رمضان لازم كتخذا بيك وأيوب أغا تابع ابراهيم أغا أغات التبديل والوالى المرور بالشوراع والجلوس في مراكز الأسواق، مثل : الغورية والجمالية وباب الحمزاوي وباب زويلة وباب الخرق، وأكثر أتباعهم مفطرون في نهار رمضان، ومتجاهرون بذلك من غير احتشام ولا مبالاة بانتهاك حرمة شهر الصوم، ويجلسون على الحوانيت والمصاطب يأكلون ويشربون الدخان، ويأتي أحدهم وبيده شبك الدخان فيدني مجمرته لأنف ابن البلد على غفلة منه وينفح فيه على سبيل السخرية بالصائم، وزادو في الغي والتعدي وخطف النساء نهارا وجهارا .
وفي هذا العام انقضى شهر رمضان والناس في أمر مريج وخوف وانزعاج وتوقع المكروه ولم ينزل الباشا من القلعة بطول الشهر وذلك على خلاف عادته فإنه لا يقدر على الاستقرار بمكان أياما وطبيعته الحركة حتى في الكلام .
وإلى هنا أنهي لك يا بني هذا الحدث، في هذا الشهر من هذا العام، ولعلك لا تعرف المقصود بالمصاطب؟
ـ لا يا مولانا، إنني أعرف المصاطب جيدًا ففي الماضي القريب حين كانت البيوت تبنى في قرانا بالطوب اللبن كان أهلنا حريصون على بناء المساطب أمام البيوت من الطوب اللبن، وكانت الحياة سعيدة بالمصاطب، فلم يكن في الحياة متعة أكثر من اجتماعهم عليها، يجمعهم الحب والود والألفة، لكن مصر هذه الأيام تواجه عداءً يظهره البعض ويخفيه البعض، ولكن من أشدها إقامة الأحباش سدا يمثل خطرا على ماء النيل الوارد إلى مصر والسودان.
ـ يا بني إنَّ النيل مصر ومصر النيل، فلا يمكن لعاقل أن يقترب من هذا الأمر، وقد سأل الرشيدُ الليث بن سعد: "يا ابا الحرث ما صلاح بلدكم يعني مصر" فقال له: "أما صلاح أمرها ومزارعها فبالنيل، وأما أحكامها فمن رأس العين يأتي الكدر"، والنصر يا بني حليف مصر إن عاجلا أو أجلا فاطمئن.