رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

في ازمة سد النهضة يمكن ان نستخدم احد قوانين "مورفى" التي تقول ان "التوقعات المتشائمة تعطي نتائج سيئة، والتوقعات المتفائلة تعطي ايضا نتائج سيئة." .. هذا التشاؤم مبعثه إصرار أثيوبيًا على المضي قدما في الملء الثاني بعد ان أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، إن المرحلة الثانية من ملء السد ستتم في موسم الأمطار المقبل، أي خلال شهري يوليو أغسطس.لكنه اعتبر أن الملء الثاني "سيحد من الفيضانات في السودان ، وليس لديها أي نية لإلحاق الضرر بدول المصب (مصر والسودان)".

ما بين تجاذبات داخلية وأخرى خارجية ، وازمات مفتعلة وأخرى حقيقية تمارس اثيوبيا سياسة تتسم بالتخبط والازدواجية وربما لا نتجاوز الحقيقة اذا قلنا ان هذه الحكومة بدأت في الغوص فعليا في مستنقع من الرمال المتحركة قد لا تنجو منها مثل سابقيها.فهى تصر على الوصول بملف الازمة الى نقطة الصدام او بالأحرى لمرحلة اللا عودة.. وكأنها غير عابئة بما يمكن ان تواجهه من مصاعب دولية هي في غنى عنها خاصة بعد ان قررت مصر الانتقال بالملف الى مجلس الامن .. فهذه المرة ستكون حاسمة.!

حقيقى ان المشهد السياسي والاجتماعى في اثيوبيا يعانى من تعقيدات شديدة مدعومة بحجم كبير من التدخلات الخارجية

فضلا عن نزاعات حدودية تقريبا مع كل دول الجوار، سواء مع السودان او اريتريا ، جيبوتى، حتى الصومال، وفي ظل هذا التشابك والتعقيدات تخوض مصر معركة من اشرس المعارك البقاء مع الطرف الاثيوبيى، الذى يعاند سواء كان مكروها او مدفوعا للاحتفاظ بكل أوراق اللعبة في يده بالمماطلة والعرقلة في التوصل الى حل يرضى ويلبى طموحات الدول الثلاثة، على الرغم انه يعرف مسبقا النتائج لان موقفة يفتقر للحجج او القوة اللازمة.

منذ بداية ازمة سد النهضة ، والرسائل التي اطلقتها مصر ولا تزال على كافة المستويات تتلخص في ، ان التفاوض هو السبيل الوحيد لايجاد حل يرضى جميع الأطراف، وان مصر مع التنمية في إثيوبيًا دون الاضرار بمصالح الدول المتشاطئة ، واى مساس بحصة مصر من مياه النيل ستؤدى الى زعزعة الاستقرار والامن في كل منطقة الشرق الأوسط وافريقيا..ولوضع النقاط فوق الحروف ، كان تصريح الرئيس عبدالفتاح السيسي ، واضحا وحاسما في اثناء الاحتفال بعودة الملاحة في قناة السويس بعد انتهاء ازمة السفينة الجانحة عندما قال:انا حصة مصر من مياه النيل خط احمر اللي عايز يجرب يتفضل.

ببساطة فان الهدف الاستراتيجي الذى تسعى اليه القاهرة منذ البداية كان عدم المساس بحقوقها، وما دون ذلك يندرج في اطار المسائل الفنية والقانونية التي يمكن التفاوض عليها والتنازل عن بعضها اذا لزم الامر، اما الهدف الرئيسى فقد تحقق منذ اللحظة الأولى ومازال ولم يجرؤ احد لا اثيوبيا ولا غيرها على الاقتراب منه.

القضية اذن محسومة وحققت مصر مبتغاها فيها من اللحظة الأولى فلا مساس بحصتها، وما بقي كما قلنا هو التفاصيل القانونية والفنية ، التي تتسع فيها دائرة الاختيارات خاصة بعد فشل مباحثات كنشاسا بسبب تمسك أديس أبابا بالملء الثاني لبحيرة سد النهضة في يوليو المقبل، فيما تنبه القاهرة والخرطوم إلى أن الملء دون اتفاق يشكل تهديداً جسيماً لهما ليس من باب انتقاص الحصص ولكن نتيجة عدم التنيسق والالتزام بالمعايير الفنية لتنفذ هذا الملء. وهذه هي الإشكالية الحقيقية التي يدور حولها النزاع.

على الصعيد القانوني والفنى، تملك مصر والسودان عدة خيارات، منها اللجوء مجددا إلى مجلس الأمن تحت الفصل السادس، ودعوة المجلس الى تبني توصية لإثيوبيا بتأجيل الملء، واستكمال التفاوض على الأسس المتوافق عليها بين الدول والأطراف الثلاث. او تحويل ملف القضية الى محكمة العدل الدولية على اعتبار أنه أصبح من النزاعات التي تتوافر فيها محددات النزاع المهدد للسلم والأمن الدوليين ومن شأنه أن يدخل إفريقيا في حالة من التصارع والتنازع المؤثر على الاستقرار داخل الإقليم بشكل عام.

كما يمتلك المجلس إصدار قرار مباشر إلى إثيوبيا بوقف الملء الثاني في يوليو المقبل، نظراً لما ارتأه من أن الأمر مهدد للسلم في منطقة القرن الإفريقي ودول حوض النيل، وبالتالي لابد من تأجيل الملء والعودة إلى التفاوض المباشر على أسس متوافق عليها بين الأطراف للتوصل إلى اتفاق قانوني شامل يضمن قواعد الملء والتشغيل وإدارة السد وفقاً للوائح والقوانين الدولية والحالات الدولية المماثلة فيما يتعلق بإنشاء السدود.

المسار الثالث، هو ذهاب مصر إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ، التي تملك أن تصدر توصية - بتصويت أغلبية الأصوات - عادة ما تكون لها قيمة أدبية، في حال فشل مجلس الأمن في النهوض بدوره.

اذن "كل المسارات مفتوحة" سواء القانونية والدبلوماسية، استناداً إلى الاتفاقات المنظمة للمياه والأنهار الدولية العابرة للحدود خاصة في ظل وجود دول تتفهم الموقف بشكل جيد، لكن في الوقت نفسه هناك مخاطر من تأثير ما يمكن وصفه ب"المصالح"، بينما هناك دول أخرى تتعارض مصالها في افريقيا مع المصالح المصرية، وكل تلك المواقف من شأنها التأثير بشكل ما، وبالتالي لا يمكن استبعاد فرضية أن تقف أي من الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن كعقبة في طريق الملف.. وهنا يأتي دور الدول العربية الداعمة للموقف المصرى، وهذا حديث آخر.

--------------------------

أستاذ بجامعة حلوان

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة