الكلم الطيب
في رحاب رجل صاحب تاريخ حافل بالمواقف الطيبة كريم صاحب رأي سديد ورؤية ثاقبة هو عباس بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف وقريب الشبه بوالده حياته مليئة بالأحداث منذ الجاهلية وحتي بعد أن دخل في الإسلام وأمه نتيلة بنت جناب وينتهي نسبهما عند ابن النمر بن قاسط وهي أول سيدة عربية كست البيت الحرام بالحرير والديباج وأصناف من الكسوة. ويرجع سبب ذلك إلي أن العباس ضاع وهو صغير فنذرت إن وجدته أن تكسو البيت ولذلك فعلت حين وجدته. وكان العباس يسبق رسول الله صلي الله عليه وسلم بسنتين وقيل بثلاث سنوات.
العباس كان في الجاهلية رئيساً في قريش وكان يتولي عمارة المسجد الحرام والسقاية. وكان لا يدع أحداً يسب في المسجد الحرام. ولا يقول فيه هجراً والملأ من قريش اجتمعوا وتعاقدوا علي ذلك فكانوا له أعواناً. وقد شهد العباس مع رسول الله صلي الله عليه وسلم بيعة العقبة لما بايعه الأنصار وقد كان في ذلك الوقت مشركاً. وكان ممن خرج مع المشركين إلي بدر مكرهاً وأسر يومئذ فيمن أسر وكان قد شد وثاقه. فسهر النبي صلي الله عليه وسلم في تلك الليلة. لم ينم. فقال له بعض أصحابه: ما يسهرك يا نبي الله؟ فقال صلي الله عليه وسلم: أسهر لأنين العباس. فقام رجل فارض وثاق العباس. فقال له رسول الله صلي الله عليه وسلم: مالي لا أسمع انين العباس فقال الرجل: ارخيت وثاقه.. فقال له رسول الله صلي الله عليه وسلم: قم فافعل ذلك بالأسري كلهم.
تاريخ العباس حافل بالنشاط فقد افتدي يوم بدر نفسه وابني اخويه. عقيل بن ابي طالب. ونوفل بن الحارث. ثم اسلم عقب ذلك. وقيل انه اسلم قبل الهجرة. وكان يكتم اسلامه وكان يكتب لرسول الله صلي الله عليه وسلم اخبار المشركين. وقد كان المسلمون يثقون به. وكان لهم عوناً علي اسلامهم. وعندما أراد الهجرة إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم لكن الرسول قال له: مقامك بمكة خير فلذلك قال رسول الله صلي الله عليه وسلم يوم بدر من لقي العباس فلا يقتله فإنه اخرج مكرهاً. وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: أنت آخر المهاجرين. كما إني آخر الأنبياء ثم هاجر إلي النبي صلي الله عليه وسلم وشهد معه فتح مكة ثم انقطعت الهجرة وقد شهد حنيناً وثبت مع رسول الله صلي الله عليه وسلم لما انهزم المسلمين بحنين.
وبما تجدر الاشارة إليه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان يعظم عمه العباس ويكرمه بعد إسلامه وكان وصولاً للأرحام محسناً إليهم. وكذلك كان ذا رأي سديد وعقل غزير. وقد شهد له رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال له: هذا العباس بن عبدالمطلب اجود قريش كفاً وأوصلها. هذا بقية آبائي. وفي أحد الأيام دخل العباس علي رسول الله صلي الله عليه وسلم مغضباً. فقال: ما اغضبك؟ فقال يا رسول الله ما لنا ولقريش إذا تلاقوا بوجوه مبشرة وإذا لقونا لقونا بغير ذلك وهنا غضب رسول الله حتي أحمر وجهه ثم قال والذي نفسي بيده فلا يدخل قلب الإيمان حتي يحبكم الله ورسوله. ثم قال: أيها الناس "من أذي عمي فقد اذاني فإنما عم الرجل حنو أبيه". وفي هذا السياق جاء عن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ان الله اتخذني خليلاً كما اتخذ ابراهيم خليلاً. ومنزلي ومنزل ابراهيم اتجاهين في الجنة. ومنزل العباس بن عبدالمطلب بيننا مؤمن بين خليلين.
ومن الجدير بالذكر أن العباس جاء إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال يا رسول الله علمني شيئاً أدعو به. فقال: سل الله العافية. ثم اتيته مرة أخري. فقلت يا رسول الله علمني شيئاً ادعو به فقال: ياعباس يا عم رسول الله سل الله العافية في الدنيا وفي الآخرة وقد جاء عن العباس أيضاً قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً. وكذلك جاء عن رسول الله صلي الله عليه وسلم عن ابن سعد قال: كنا مع النبي صلي الله عليه وسلم ببقيع الخيل فأقبل العباس فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: هذا العباس عم نبيكم. أجود قريش كفاً وأوصلها رحماً.
ونمضي مع العباس بن عبدالمطلب ففي عام الرمادة اشتد القحط واستسقي عمر بن الخطاب بالعباس رضي الله عنهما فسقاهم الله تعالي بماء المطر واخصبت الأرض. فقال عمر: هذا والله الوسيلة إلي الله. ولما سقي الناس طفقوا يتمسحون بالعباس ويقولون: هنيئاً لك ساقي الحرمين. وقد كان الصحابة رضوان عليهم يعرفون للعباس فضله ويقدمونه. ويشاورونه ويأخذون برأيه.
شاءت الأقدار أن يرحل عن الدنيا يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب وقيل. بل من رمضان. وكان ذلك قبل مقتل عثمان رضي الله عنه بسنتين. وصلي عليه عثمان رضي الله عنه وتم دفنه بالبقيع وهو ابن ثمان وثمانين سنة وكان رضي الله عنه طويلاً جميلاً. ولما أسر يوم بدر لم يجدوا قميصاً يصلح له إلا قميص عبدالله بن أبي سلول فألبسوه أياه. ولهذا لما مات عبدالله كفنه رسول الله صلي الله عليه وسلم في قميصه. ومما يضاف للعباس رضي الله عنه أنه اعتق سبعين عبداً.
كان العباس رحمه الله نموذجاً لأهل الإيمان في مسيرته قوياً في الحق لا يخشي إلا الله ليتنا نستلهم مسيرته في حياتنا وصدق الشاعر العربي:
فتشبهوا بالرجال أن لم تكونوا مثلهم
إن التشبه بالرجال فلاح