الخط المفتوح
مع قدوم شهر رمضان المبارك يبدأ موسم جديد من مواسم الخير والبر والطاعات والإنفاق فى سبيل الله، ويتسابق الناس أفرادا وجماعات فى أنشطة البر بكافة أشكالها مادية ومعنوية ويتدفق الخير أنهارا معبرا عن روح التكافل الكامنة فى قلوب الناس تنتظر من يفجرها ويوجهها، حتى إذا جاء الشهر الفضيل تفتحت الأبواب وانطلقت الطاقات وسادت روح المحبة والتآخى والتكافل.
ونحن إذ نرحب بهذه الروح الطيبة ونزكيها، ندعوا فى نفس الوقت إلى استمرارها طوال العام حتى تتحقق خيرية هذه الأمة وحتى تشيع روح التكافل الاجتماعى الذى يقود بدوره إلى السلام الاجتماعي، وقد صح فى الحديث الشريف عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس، وكان أجود ما يكون فى رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود بالخير من الريح المرسلة»، وهذا الحديث يبين أثر الصيام فى خلق النبى - صلى الله عليه وسلم - من ناحيته الاجتماعية، وهو زيادة فى البر والعطاء وكثرة الجود والسخاء.
وإذا كانت فريضة الزكاة هى الركن الأساسى المنظم للبر والعطاء، فإن الصوم كذلك يدعو إليه ويساعد عليه، وهو بمثابة توعية مكثفة لبيان ضرورته وأثره، ولكنها توعية عملية لا قولية أساسها الإحساس بحاجة المعدم وضرورة الطعام والشراب لكل إنسان، تلك الضرورة التى لا يحسها ولا يشعر بها إلا من مارس الحرمان عمليا وذاق مرارة الجوع وحرارة العطش.. فالصيام هو الذى يؤدى إلى مهمة هذا الإحساس الفعلى الذى يكون منطلقا لمد يد العون والمساعدة.
إن المشاركة الوجدانية لا تتم ولا تقوى إلا بالممارسة العملية المشتركة، فقد أثر عن عمر - رضى الله عنه - أنه حرم على نفسه اللحم ولذيذ الطعام عام المجاعة، فلما قيل له: كيف تحرم نفسك من الخير وأنت القادر الواجد؟ قال: كيف يعنينى أمر الناس إذا لم أشعر بما يشعرون به؟
وإذا كان هناك سباق من طالبى البر والإحسان فى رمضان فإننا نجد فى المقابل سباقا مماثلا بين فاعلى الخير ومقدمى المعروف.. وهذا أمر بقدر ما نسعد به باعتباره فيضا من فيوضات الشهر الكريم نتمنى أن يستمر طوال العام بحيث نسد حاجة المحتاج، ونرفع بعض الأعباء عن كاهل الدولة، ولعل أعز ما نتمناه ونسأل الله أن يوفق إليه رجال الأعمال وأهل الخير ألا توجه أموال البر إلى الإعانات النقدية أو العينية الوقتية التى تستهلك فى وقتها، ولا يبقى منها شيء لقادم الأيام.. نتمنى أن توجه نسبة من هذه الأموال لمشروعات منتجة صغيرة تساعد فى تحقيق دخل منتظم للأسر الفقيرة وتساعد فى حل مشكلة البطالة وتنشط حركة التجارة الداخلية وتعطى أبعادا أوسع وأعمق لمفهوم التكافل.. وأنا أعلم أن هناك من رجال الأعمال من ينفقون الملايين سنويا فى أوجه البر المختلفة ويرفضون تماما أن يعلن عنها شيء نسأل الله أن يتقبل منهم أعمالهم وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم.
>>>
>> وختامًا:
قال تعالى:
«إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ . وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ. وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ .وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ».
صدق الله العظيم آية (271) البقرة