رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لا يعرف المصريون اليأس في تاريخهم كله، ولهم مع الغزاة تاريخ كبير، كان الصمود، والمقاومة، والصبر، والقوة، والعزيمة، هي عناصر العلاقة بينهم وبين الغزاة، لا يتوقف على التاريخ القديم فقط، بل وفي تاريخ المصريين المعاصر، كادت اسرائيل لمصر مكائد عظمى، وصنعت من السبل التي تؤدي إلى يأس حتمي ما لا يستطيع أحد مقاومته، أحاطوا القناة بالنابالم، يهلك الجيوش العابرة على القناة، ويجعلهم في ثوانٍ معدودة كتلا متفحمة، وبنوا على النهر جبلا من رمال ناعمة تهلك من يفكر في صعوده بزاوية تصيب الصاعد عليه باليأس التام، وأمدوا خط الجبهة بتحصينات رادعة تفوق الخيال قوة.

ثم ماذا حدث؟!، كل هذه العوامل ولم يتطرق اليأس إلى قلوب المصريين لحظة، فكان أملهم في النصر أكبر من كل مخططاتهم، أكبر من هذه الأعاجيب التي صنعوها بطول القناة وعلى طول خط المواجهة، هذا الأمل المصري الذي ألان للمصريين الحديد، وجعل الساتر الترابي أضحوكة تاربية، وقف الجنود عليه يفتتونه بخراطيم المياه كأنهم يلهون أو يلعبون في يوم عيد، وهو من لا يستطيع تفتيته إلا قنبلة نووية!.

واليوم وفي مثل هذه الموقف الشديد الخطورة، ببناء سد النهضة الإثيوبي، هل يعرف اليأس إلى قلوب المصريين طريقا؟!، سؤال يكشف جهل هؤلاء بتاريخ أبناء النيل والأهرامات!

لا يعرف هؤلاء أن المصريين لن يفرطوا في قطرة ماء واحدة، كما قال الرئيس السيسي وهو على قمة جنودها، ولن يسمح التاريخ بأن يظمأ أهل النيل، أهل حضارته العظماء، والذين صنع النيل منهم رجالا أفذاذًا وأبطالا هم محط أنظار وتقدير كل دول العالم.

ولعل في تعويم السفينة الجانحة وهو الدرس الأخير، الذي أعطاه الرئيس السيسي كنموذج لعبقرية المصريين، وإرداتهم القوية وعزيمتهم التي لا تلين ولا تعرف الضعف ولا الهزيمة، حين قامت رجال مصر بتعويمها ببراعة مدهشة تحت أنظار العالم كله، لافتة الانتباه إلى عظمة هؤلاء الرجال وقوة إرادتهم، وإلى عظمة هذه القناة التي أصابت العالم بالارتباك في أيام توقفها.

هذه الإرادة العظيمة التي حررت هذه السفينة، وحررت القناة، وحررت العالم من هذا المأزق، هي نفسها القادرة على تحرير النيل الذي به حياتهم ووجودهم، لا يهمهم صلف ريئس أثيوبيا الذي يظن أن عداءه لمصر وتعنته وإصراره على بناء السد والضرر بمصر، سوف يطيل بقاءه في حكم أثيوبيا، ويرفع من تأييد شعبه له، ويوقف الاضطربات في الجبهة الداخلية ضده، هذا الطموح الإناني والذي يدفعه عليه غباء سياسي واضح، فالنيل قضية حياة أو موت للمصريين ليس فيه خيار.

النيل صانع حضارة مصر، خط أحمر كما قال الرئيس السيسي، خط أحمر تتعامل في قضيته الحكومة المصرية بذكاء سياسي عبقري، وقدرة على الردع في وقتها، كما قامت بهذا في حربها المجيدة ـ حرب السادس من أكتوبر ـ حيث أدهشت العالم بقدرتها على التعامل مع هذا الملف بعبقرية سياسية، تتساوى تماما مع عبقريتها في القدرة على الدفاع التي أدهشتهم لعقود وعقود بعدها.

هذه الحضارة التي أعادت ذكراها موكب المومياوات، والذي بمظهر من الفخامة والعظمة، تعيد أمجاد هذه الحضارة، التي ملأت مصر بآثار كادت تصل إلى حد الإعجاز في دقتها واتقانها، ولم يكن ذلك الدرس الوحيد المستفاد من هذه الحضاة، بكل كان الدرس الأعظم، هو قدرة هذه الحضارة على العمل والإتقان، والإيمان بالآخرة، وقدرتها أيضا على العطاء وإحياء الأراض التي يصيبها الموت، بدلا من السعي في إماته أراض تنبض بالحياة ، وتمنح الحياة.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة