ليست هذه دعوة للتغاضي عن الجرائم وعدم معاقبة الجناة والمخطئين. لكنها فقط محاولة للتمسك بشعرة معاوية للفصل والتفرقة بين كيفية التعامل مع تداعيات الاحداث بمقتضيات الامر الواقع، واستخدام سيف الحق بإرادة باطلة..
ودعونا في البداية نؤكد من جديد ان مصر تمر بظروف استثنائية خاصة، فضلا عن محيط وإقليم مضطرب وليس بأفضل حال، في الوقت نفسه فآن القيادة السياسية التي تولت إدارة الأمور في ظل هذا الظرف التاريخي والاستثنائي قررت ان تمد يدها في جميع الملفات دون أي استثناء، متحملة وحدها كل النقد الذي يوجه اليها دون النظر الي أي مصلحة اخري سوي مصلحة هذا البلد وشعبها الذي تحمل ولازال الكثير من اجل الانخراط في حياة مقبولة.
ونحن نعلم قبل غيرنا حجم المأساة الكامنة في كل واي ملف من ملفات الازمات التي تعيشها وتعايش معها مصر، وكلها تمثل عش الدبابير لأي حكومة، وعلى مدي أكثر من ٥٠ عاما لم تجرؤ أي حكومة على التعاطي من أزمات مثل "العشوائية" او ازمة الطرق والمواصلات، الصحة والتعليم وفوق هذا وذاك قضية الدعم الذي ادي الي تآكل العملة المحلية.
مع ذلك وجدنا اخيرا من قرر أن يخوض في كل المسكوت عنه، ويتحدى الصعاب ويواجه المأساة في عقر دارها، وكان من الطبيعي ان يحدث خطآ غير مقصود هنا او هناك، لكن تبقي الحقيقة التي لا يجب ان تغيب عن الاذهان ان هؤلاء وحدهم قرروا ان يحملوا اكفانهم ويتحملوا العبور بمصر في أحلك الظروف، وفي اعقد الأوقات وفي أسوا الأحوال حيث لا تعرف من اين تأتي لك الضربات.
عندما تقع أي ازمة او كارثة، خاصة لو كانت قدرية لا يمكن ان يكون الحل هو المطالبة بذبح الوزير او المسئول، لان طبيعة أي منصب هو العمل على مواجهة الازمات ووضع الحلول لها وليس مغادرة موقعة، وبعد انتهاء الازمة يكون هناك التحقيقات التي ستكشف من المخطئ والمصيب وعندها تتم المحاسبة.
هذا ما وجدناه بعد كارثة قطاري الصعيد، حيث تحولت كل مواقع السوشيال ميديا وبعض المنابر الإعلامية الي ابواق تطالب بعزل الفريق كامل الوزير، على الرغم من حجم ما تحقق من إنجازات ليس فقط في مرفق القطارات ولكن في كل مهمة أسندت اليه منذ كان علي رأس الإدارة الهندسية في القوات المسلحة.
ويكفي ان تعرف ان الدولة تتبني خطة طموحة لتطوير هذا المرفق المهم الحيوي من خلال رصد ما يقرب من 230 مليار جنيه تشمل توريد 1300 عربة ركاب، 220 جرارا، (6) قطارات شاملة الصيانة وقطع الغيار، 140 عربة بضائع، وإعادة تأهيل 181 جرارا. كما تستهدف الخطة أيضا تطوير الأعمال الإنشائية لعدد 1102 مزلقان، وتطوير نظم التحكم والتشغيل لعدد 1120 مزلقانا، وتطوير المحطات وإنشاء الأسوار وتطوير الاستراحات، وتزويد المحطات ببوابات إلكترونية.
ان مرفق السكك الحديدية عانى لسنوات من الإهمال والتدهور وهو مسئول عن نقل 500 مليون مواطن سنويا، وكنا نشهد عدة حوادث يوميا وكان الفنيون يبحثون في مخلفات الخردة بالورش بحثا عن قطع غيار قديمة لإجراء عمليات الصيانة لجرارات تعمل منذ عشرات السنين ناهيك عن إهمال النظافة وعوامل الأمان والراحة للمسافرين. حتى بدأت مرحلة التعافي من خلال الرؤية الجديدة للدولة التي بدأت تؤتي ثمارها، والتقرير الذي أصدره الجهـــاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في 15 يونيو الحالي 2020 لحوادث السيارات والقطارات لعام 2019 وكـان مـن أهـم مؤشراتها: انخفاض عدد حوادث القطارات إلى 1863 حادثة عام 2019 مقابل 2044 حادثة عام 2018 بنسبة انخفاض قدرها 8.9 %.
أيها الشعب العظيم ان هذا البلد تحمل في اقل من أسبوع كارثتين الاولي عالمية المتمثلة في تعليق الملاحة في قناة السويس نتيجة انحرف إحدى السفن العملاقة في الممر الملاحي، والأخرى داخلية، وهي حادثة قطاري الصعيد.. ومع ذلك مازالت البلد قائمة والحياة تسير بمنتهي الطبيعة، هناك بلدان اخري بالقرب منا بمجرد حدوث انفجار في أحد مستودعاتها، انهارت حكومتها وعملتها المالية وتجارتها وصناعتها، بل هي ذاتها أصبح استمرارها كدولة محل تساؤل.. لكن هذه مصر فارحموها يرحمكم الله.
-----------------
أستاذ بجامعة حلوان