رؤية
المصريون خيالهم واسع وليس له حدود وهذا الخيال يجعلهم يربطون بين الأحداث التي تمر بهم بطريقة لا تخطر علي البال ويظهر هذا واضحا في الأمثال التي يتداولونها والتي تتعلق بكل المناسبات حيث لا تخلو مناسبة إلا ولها مثل ينطبق عليها .. وآخر "افتكاسات" المصريين الربط بين اعتزام نقل الحكومة مومياوات 22 ملكا وملكة فرعونية و18 تابوتا ملكيا من المتحف المصري بالتحرير إلي المتحف القومي للحضارة المصرية بمنطقة الفسطاط في موكب أسطوري ينتظره العالم أجمع غدا . وبين ما وقع بالبلاد من حوادث مأساوية في الأيام القليلة الماضية بداية بجنوح السفينة العملاقة "إيفر جيفين" في الممر الملاحي لقناة السويس مرورا بتصادم قطاري سوهاج الذي راح ضحيته أكثر من 19 شخصا ثم انهيار عقار في منطقة جسر السويس مما أدي لمصرع 23 شخصا واشتعال حرائق بمحطة قطارات الزقازيق ومصانع ومتاجر وشقق سكنية وسقوط سقالات كوبري المريوطية تحت الإنشاء وزيادة حالات الإصابة بفيروس كورونا وغير ذلك من الحوادث التي يتم تسليط الضوء عليها وكأن مصر من قبل كانت خالية من تلك الحوادث.
الغريب أن عامل الربط بين هذه الأحداث ونقل المومياوات هو ما أسموه بـ "لعنة الفراعنة" تلك الأسطورة التي أطلقت بعد وفاة أو مرض بعض المستكشفين الذين فتحوا التوابيت الملكية الفرعونية .. كما ترددت بقوة في الآونة الأخيرة المقولة الشهيرة التي وجدت منقوشة علي مقبرة توت عنخ آمون التي تقول "سيضرب الموت بجناحيه السامين كل من يعكر صفو الملك".. ليجد أصحاب الخيال الواسع مبررا للحوادث المأساوية التي تعرضت لها البلاد مؤخرا وكأنها بمثابة تحذير ومطلب من الملوك لتركهم يرقدون في سلام وعدم نقلهم من أماكنهم.
بالطبع كل هذه الادعاءات خرافات ونفاها تماما زاهي حواس وزير الآثار السابق في أكثر من وسيلة إعلامية فلا يوجد هناك ما يسمي "لعنة الفراعنة" بل هي نسج خيال أطلقه المستكشفون كنوع من "البروباجندا" للترويج لأعمالهم بل اخترعها المصريون القدماء أنفسهم لحماية مقابرهم من السرقة فنقشوا عبارات تحذر وتتوعد السارق بالموت واللعنات.. أما ما حدث للمستكشفين الأوائل من مرض ووفاة فكان نتيجة للتعرض للبكتيريا السامة التي كان ينثرها الكهنة داخل المقابر وتطلق غازات مميتة لمنع اللصوص بدليل أنه تم استخراج عشرات المومياوات في السنوات الأخيرة من مقابر بدهشور في الجيزة وغيرها ولم يتعرض المتستكشفون لأي مكروه لأنهم اتخذوا الإجراءات الوقائية اللازمة.
إن الحوادث المؤسفة التي وقعت بالبلاد الأيام الماضية لها سبب علمي منطقي فجنوح السفينة العملاقة جاء نتيجة عاصفة ترابية ورياح شديدة لم يتمكن خلالها الربان من التحكم في السفينة فانحرفت عن مسارها وسدت المجري الملاحي وعلقت في رمال الشاطئ وبالنسبة لكارثة اصطدام قطاري سوهاج فربما يعود ذلك إلي خطأ بشري إلي جانب أن مرافق السكك الحديدية تعاني من الإهمال وقلة الموارد منذ عقود والدولة تعمل الآن علي تطويرها.. أما انهيار عقار جسر السويس فكان بسبب غياب الرقابة وعدم التزام المواطنين بشروط الأمن والسلامة في البناء ووجود مصنع في بدروم العمارة بدون ترخيص وهو ما تحاول الحكومة جاهدة مواجهته بقوة في الفترة الأخيرة .. وبقية الحوادث لها أسبابها أيضا.
إن موكب نقل المومياوات حدث تاريخي ويشكل دعاية مجانية للحضارة المصرية وعلينا جميعا أن نفخر به لا أن نصفه بـ "اللعنة".
[email protected]