كلام حاسم ولا يحتمل أي تأويل، ما أكده الرئيس عبد الفتاح السيسي، اثناء الاحتفال بإعادة حركة التجارة العالمية في قناة السويس بعد انتهاء ازمة السفينة الجانحة ايفر جيفن، والمقصود هنا تصريحه حول مفاوضات سد النهضة، وقال: "نحن لا نهدد أحدا ولكن لا يستطيع أحد أخذ نقطة مياه من مصر وإلا ستشهد المنطقة حالة عدم استقرار لا يتخيلها أحد ومن يريد أن يجرب فليتفضل". وتابع: "ومحدش يتصور إنه يقدر يبقى بعيد عن قدرتنا".
الرسالة واضحة وضوح الشمس في كبد السماء، ولسنا هنا بصدد الحديث عن مقارنات بين قدرات العسكرية والفنية والاقتصادية بين البلدين، فهي معروفة ويدركها القاصي والداني، واعتقد ان هذا التصريح لا يحتاج أي تعليق وكل عاقل يستطيع ان يقرأه كيفما يريد، ولكنه أيضا عليه تحمل تبعيات هذا الفهم سلبا او إيجابا.. خاصة إذا كان الطرف الاخر محدود القدرة وربما الفهم..
ففي السابق خدعونا وقالوا ان الشخص الجالس في اثيوبيا يسعي الي الاستقرار والسلام، والأدهى من ذلك قامت مؤسسة نوبل العالمية بمنحة جائزة نوبل للسلام بزعم انه قام بجهود جبارة لإعادة الامن والسلام في منطقة القرن الافريقي.. لكن هذا الأسبوع تبددت كل تلك الأكاذيب بعد اعتراف رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، لأول مرة بوجود قوات من إريتريا في إقليم تيغراي الإثيوبي، بعد اندلاع الصراع هناك في نوفمبر الماضي.
وقال أبي أحمد لنواب البرلمان الاثيوبي إن القوات الإريترية جاءت، خوفا من تعرضها لهجوم من قبل مقاتلي جبهة تحرير تيغراي.. واضاف إنه تحدث إلى مسؤولين إريتريين، بشأن مزاعم بأن جنودا من إريتريا ارتكبوا فظائع في تيغراي. ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عنه قوله "بعد أن عبر الجيش الإريتري الحدود وكان يعمل في إثيوبيا، فإن أي ضرر يلحق بشعبنا غير مقبول". وأضاف في حسابه على تويتر: "تشير التقارير إلى ارتكاب فظائع في منطقة تيغراي".
هذا التصريح يحمل في مضمونه اعترافا رسميا بمسئولية احمد عن الجرائم الإنسانية التي ارتكبتها القوات الاريترية في حق سكان الإقليم، خاصة انه هو من طلب دعم من القوات الاريترية لمساعدة قواته في السيطرة على الإقليم المتمرد..
علي حسب ما ذكرته تقارير صادرة من الأمم المتحدة فإن خمس عيادات طبية في إقليم تيغراي سجلت أكثر من 500 حالة اغتصاب، منبهة إلى أنه نظرا إلى الوصمة المرتبطة بالأمر ونقص الخدمات الصحية فإن من المرجح أن يكون العدد الفعلي للحالات أعلى من ذلك بكثير. العشرات من الشهود في تيغراي أكدوا أن الجنود الإريتريين، الذين يقاتلون إلى جانب القوات الإثيوبية، كانوا يقتلون المدنيين بانتظام وارتكبوا عمليات اغتصاب جماعي وعذبوا النساء ونهبوا البيوت والمحاصيل.
وهنا يثار تساؤل غاية في الأهمية ما هو مصير جائزة نوبل للسلام الممنوحة لأحمد بعد هذا الاعتراف، وهل يعقل ان يتم منح تلك الجائزة لشخص متورط في جرائم ضد الإنسانية؟
ويبدو ان الرجل لا يؤمن بما يكتبه، حيث يتعارض قرار شن الحرب في تيغراي الذي اتخذه مع أطروحة الدكتوراه التي حصل عليها آبي أحمد وتمحورت حول حل النزاعات، حيث كتب “لا يجب محاربة العنف فقط بأدوات رد الفعل”. وأضاف أنه يجب لحل التوترات والاضطرابات الإقليمية أن تتمّ معالجة أسبابها الهيكلية المتمثلة في “التعصب والتهميش الاجتماعي والتفاوت الاقتصادي”. والغريب ان احمد حصل على نوبل للسلام نتيجة ما قيل انه بذل جهودا كبيرة من اجل انهاء الصراع مع اريتريا، وفيما يبدوا ان الأخيرة ارادت ان تسدد فواتير هذا الصلح من خلال تقديمها الدعم اللازم للجيش الاثيوبي في تيغراي. وما حدث في هذا الإقليم من جرائم حرب يعبر عن شخصية آبي القبلية الثأر لقومية الأمهرة وتجمع قبائل الجنوب التي ينتمي إليها، من قومية تيغراي التي مارست جرائم عديدة ضد القبائل المعارضة أثناء هيمنتها على السلطة الاتحادية في البلاد.
لن تكون هذه هي المرة الاولي التي تتعرض فيها مؤسسة نوبل للنقد نتيجة تقييم أحد الفائزين بجوائزها، فقد جري هذا الامر علي الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي حصل على جائزة السلام 2009، وكانت بلاده في ذلك الوقت منخرطة في حربين في كل من العراق وأفغانستان بل أيضا لأنه لم يمض على تقلده منصب الرئاسة في البيت الأبيض أكثر من 9 أشهر لم يقدم فيها أي إنجازات للسلام. وأيضا زعيمة ميانمار أون سان سو تشي التي تلقت الجائزة سنة 1991، ورفضت لجنة نوبل سحب الجائزة منها بعد نشر تقرير للأمم المتحدة عام 2018 أفاد بأن جيش ميانمار ارتكبت عمليات إبادة جماعية بحق مسلمي الروهينغا. وهذا يتعارض مع وصية مؤسس الجائزة ألفريد نوبل التي تنص على أنه “يجب على الجائزة أن تُمنح لأكثر أو أفضل عمل من أجل القضاء على الأسلحة أو الحد منها، وتحقيق الأخوة بين الشعوب والسلام”.
فهل حقا، المجتمع الدولي والقائمين على نوبل تسرعوا في منح ابي احمد الجائزة، لأنها تمنح للشخصيات التي أثبتت إصرارها على مواقفها الإنسانية والسياسية التي تبنتها واستطاعت أن تحقق تغييرا على المستويين الداخلي والخارجي، على ان يكون مصير هذا الشخص كباقي مجرمي الحرب في العالم مطلوب لمحاكمته دوليا أمام المحكمة الجنائية.