الكلم الطيب
أنوار الدين الحنيف حين تغزو القلوب وتمتلك وجدان أي إنسان وتأخذ بيده نحو الطريق المستقيم وتدفعه إلي مواقف حين يطالها أي إنسان فإنها تثير لديه تساؤلات متعددة تتضمن كيف حدثت تلك المواقف رغم أن التاريخ وأحداثه يتنافي معها؟ وذلك ينطبق بلا رتوش علي عكرمة بن أبي جهل. حياته منذ نشأته في رحاب أم القري وهو في عداء رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ وللمسلمين عامة.. وكنيته عكرمة أبو عثمان وقد أسلم بعد أن فتح رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ مكة بوقت وكان شديد العداء لرسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ في الجاهلية ومن شابه أباه فما ظلم. وكذلك فارساً مشهوراً وعندما فتح رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم مكة هرب منها ولحق باليمن. وكان الرسول ــ صلي الله عليه وسلم ــ لما سار إلي مكة أمر بقتل عكرمة ونفر معه. وتشير كتب السيرة والتراجم وكما جاء عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ الناس إلا أربعة نفر وامرأتين. وقال: اقتلوهم وحتي وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة وهؤلاء الأربعة هم عكرمة بن أبي جهل وعبدالله بن خطل ومقيس بن صبابه. وعبدالله بن سعد بن أبي سرح. فأما ابن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر لكن سعيد كان أسبق من عمار وقد كان أثبت الرجلين وتمكنا من قتل خطل!!
في نفس الوقت نعود إلي الآخرين بعد خطل. فأما مقيس بن صبابه فتم إدراكه في السوق فتم قتله. وأما عكرمة فشرد إلي البحر وركب سفينة وقد شاءت الأقدار أن تهب عاصفة. وهنا قال أصحاب السفينة للركاب: اخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً ها هنا. فقال عكرمة بعد سماعه كلام أصحاب السفينة: إن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص وما ينجني في البرغيره. ثم أضاف: اللهم لك علي عهد إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمداً حتي أضع يدي في يده فلأجدنه عفواً كريماً. ثم جاء إلي رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ فأسلم. وأما عبدالله بن سعد فإنه اختفي عند عثمان بن عفان وعندما دعا رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ الناس للبيعة كما كان يفعل بعد الفتح لتأمين الناس. وأثناء ذلك جاء عثمان بن عفان بسعيد حتي وقفه بمجلس رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ ثم قال: يا رسول الله بايع عبدالله فرفع رأسه فنظر إليه. فعل ذلك ثلاث مرات ثم بايعه بعد الثلاث ثم أقبل ــ صلي الله عليه وسلم ــ علي أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل رشيد فيقوم إلي هذا حين رآني كففت يدي عن مبايعته فيقتله. ونعود مرة أخري لعكرمة بن أبي جهل حيث نُقل عن مصعب الزبيري في كتابه نسب قريش: ان زوجة عكرمة وتسمي أم حكيم بنت عمه الحارث بن هشام قد سارت إلي عكرمة وهو في اليمن وذلك بأمان رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ وكانت قد أسلمت قبل عكرمة يوم الفتح حيث ردته إلي رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ فأسلم وحسن إسلامه. سبحان مغير الأحوال لا إله إلا هو وحده لا شريك له!!
ولازلنا في رحاب عكرمة. فقد شاءت إرادة الله سبحانه وتعالي أن يكون هذا العدو من صالحي المسلمين ولما رجع من اليمن قام إليه رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ فاعتنقه ثم قال ــ صلي الله عليه وسلم ــ: مرحباً بالراكب المهاجر. وعقب إسلامه كان المسلمون يقولون: هذا ابن عدو الله أبي جهل. فساءه ذلك فاشتكي لرسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ وهنا قال النبي ــ صلي الله عليه وسلم ــ: لا تسبوا آباه فإن سب الميت يؤذي الحي ونهاهم أن يقولوا: عكرمة بن أبي جهل اللهم صل وسلم علي خير خلق الله وعلي آله فما أحسن هذا الخلق الكريم وأعظمه وأشرفه.
وقد انضم عكرمة إلي صفوف المسلمين كريماً صاحب أموال. ففي أحد الأيام جاء إلي رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ وقال: يا رسول الله: لا أدع مالاً أنفقت عليك إلا أنفقت في سبيل الله. وكان من عادة الصحابة أن يأتوا لرسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ بالأموال ليتولي توزيعها بمعرفته ــ صلي الله عليه وسلم.
ولعل من أهم المفارقات في عكرمة أن رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ قد استعمله علي صدقات هوازن في أحد أعوام الحج. وكذلك قد استعمله أبو بكر رضي الله عنه علي جيش وسيره إلي عمان وكانوا قد ارتدوا عن الإسلام لكن عكرمة ظهر وتمكن من إعادتهم إلي الإسلام ثم وجهه إلي اليمن وهكذا كان عكرمة من صالحي المسلمين وأعظم الناس بلاء وقد جاء عن أم سلمة زوجة رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ قالت: قال رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ: رأيت لأبي جهل عذقاً في الجنة فلما أسلم عكرمة بن أبي جهل. قال يا أم سلمة هذا هو. فسبحان مغير الأحوال سوف نظل نرددها دائماً!!
ولله الأمر من قبل ومن بعد..