رؤية
للأسف الكثير منا تأخذه العنجهية ويرفض أن يعتذر حتي ولو كان متأكدا بداخله أنه أخطأ في حق إنسان ونسي أن الله سبحانه وتعالي يقبل التوبة عن عباده الخطائين فما بالنا نحن البشر نصر علي عدم الاعتذار اعتقادا أن ذلك يقلل من كرامتنا بل ونتمادي في الخطأ ولا نشعر بأي ذنب تجاه من أخطأنا في حقه ونسي العنجهيون أن الظالم والمظلوم سوف يقفان أمام الله سبحانه وتعالي فعند الله تجتمع الخصوم وكل سيأخذ حقه "إن كان خيرا فخير وإن كان شرا فشر".
إن الكثير منا يعرف قصة "أبوذر" و"بلال" حين قال الأول للثاني "حتي أنت يا ابن السوداء تخطئني" فقام بلال مندهشا وشعر بغضب شديد وذهب لرسول الله صلي الله عليه وسلم وقص له ما حدث من أبي ذر فما كان من رسول الله إلا أنه تغير وجهه صلي الله عليه وسلم ثم قال : "يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية".. فبكي الصحابي الجليل وقال : يا رسول الله استغفر لي.. ثم خرج باكيا من المسجد ووضع خده علي التراب في مشهد ذليل ومؤلم وقال لبلال : لا أرفع خدي عن التراب حتي تطأه بقدمك فأنت الكريم وأنا المهان.. فأخذ بلال يبكي واقترب وقبَّل خد أبي ذر وقال : والله لا أطأ وجها سجد لله سجدة واحدة ثم قاما وتعانقا وتباكيا.
أين نحن من هؤلاء.. فنحن نخطئ ونتمادي ونفعل المنكرات ونتباهي ونأكل الحقوق ونسيء لبعضنا البعض ولا نقول "عفوا" أو "آسف" رغم أننا نرتكب ما هو أشد من واقعة أبي ذر مع بلال فالبعض يسب بالدين ويتنمر علي الغير بسخرية وبطريقة استفزازية فيها إهانة للنفس بل يطعن في عقيدة الآخر وعرضه وشرفه ولا يبالي ويفتخر بأفعاله أمام الآخرين ويخجل أن يطلب العفو ممن أساء إليه.
ليت المخطئ يعتذر وتكون لديه شجاعة الاعتذار فهذا أسلوب راق عكس ما يتخيل أو يعتقد أن الاعتراف بالذنب يقلل من هيبته ويخدش كبرياءه ونسي أن كلنا راحلون ولن ينفع الإنسان سوي عمله في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم.
كم من عداوات ومشاحنات وبغضاء تم إطفاء لهيبها بعد الاعتذار والندم علي ما ارتكبه الإنسان ضد غيره انطلاقا من المبدأ الإنساني الأصيل "جبر الخواطر" فلو بادر المخطئ بالاعتراف بذنبه وجبر خاطر من أساء إليه وطلب منه الصفح والغفران سوف يتغير الحال إلي النقيض تماما فنحن بطبيعتنا متسامحون ننسي الإساءة سريعا.
إشارة حمراء:
حالة الطقس غير المستقرة التي تشهدها البلاد هذه الأيام ما بين أتربة وعواصف ورياح شديدة وتقلب في درجات الحرارة تسبب الضيق لكثير من الناس وكنت منهم إلي أن قرأت أن لها فوائد كثيرة تحمي البشرية من الهلاك وجاء ذلك في مقدمة ابن خلدون فقال "إن الأرض بعـد تقلب الـفصول مـن فصل إلي فصل.. أي من الـشتاء إلي الصيف.. تبدأ بلفظ أمراض وحشرات لو تركت لأهلكت العالم فيرسل الله الغبار فـتـقوم هـذه الأتربة والغبار بقـتلها.. وتتراوح حـجـم حـبـة الرمل بحـسـب الحـشـرة فبعضها صغير يدخل عيونها وبعضها يدخل أنوفها وبعضها في جوفها وبعضها في أذانها وتميتها.. وصدق الله العظيم حين قال "وعسي أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم".
[email protected]