لوجه الله
رغم الجهود الإنسانية والخيرية التى بذلت خلال السنوات الماضية لفك كرب الغارمين فى مصر والتى تبناها وساهم فيها الرئيس عبد الفتاح السيسى شخصيا وساهمت فيها العديد من الجمعيات الخيرية وبعض رجال الأعمال إلا أن ظاهرة الغارمين فى تزايد مستمر وقد كشف أحد التقارير منذ أيام عن وجود 30 ألف غارمة حاليا فى السجون المصرية تنفيذا لأحكام قضائية وهو الأمر الذى يتطلب جهودا أكبر وأشمل ليس فقط لفك كرب هؤلاء الغارمين والغارمات وإعادتهم الى أسرهم وخاصة أننا فى أيام مباركة ونعيش أجواء شهر رمضان المبارك.. ولكن لمواجهة أسباب هذه المشكلة حيث يتورط كثير من البسطاء فى مديونيات ويوقعون على شيكات أو إيصالات أمانة تدفع بهم الى السجن فى حالة عدم الوفاء بما وقعوا أو بصموا عليه.
والواقع أن "ضحايا الاستدانة" موجودون فى كل البلاد العربية وفى تزايد مستمر لسببين:
الأول: استهانة كثير من الناس وخاصة البسطاء بالاستدانة والتورط فيها دون ضرورة حقيقية والتوقيع على ضمانات عرفية فيها كل صور الاستغلال من قبل التجار ومحترفى إقراض الفقراء والبيع بالتقسيط لهم وتكبيلهم بضمانات مبالغ فيها تعجل بحبسهم مع أول تعثر.
الثانى: غياب حقوق الغارمين الشرعية عن نشاط واهتمام معظم الجمعيات والمنظمات الخيرية والأثرياء باعتبارهم من مستحقى الزكاة الذين حدد القرآن الكريم أصنافهم فى قول الحق سبحانه:" إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ".
ولذلك فإن المواجهة الحقيقية لمشكلة الغارمين تتطلب أولا وعيا دينيا واجتماعيا وقانونيا بمخاطر الاستدانة، حيث يستهين كثير من البسطاء ب" الدين" ويتورطون فى ديون دون ضرورة.. وتتطلب ثانيا الوفاء بحقوقهم الشرعية وإعطائهم حقهم من الزكاة.. وتتطلب ثالثا تشريعا قانونيا يعاقب هؤلاء التجار الذين يستغلون حاجة وضعف الغارمين والحصول على ضمانات مبالغ فيها وتمثل استغلالا بشعا لهم، فالقانون ينبغى أن يحمى البسطاء والفقراء من جشع محترفى الأقراض الربوى والبيع بالأجل مع الاستغلال الجشع للبسطاء، وأعتقد أن رجال القانون والقضاء لديهم حلولا لهذه المشكلة.
**
قصص وحكايات الغارمين والغارمات الذين تورطوا فى ديون بسيطة ووقعوا على شيكات وإيصالات أمانة بمبالغ مضاعفة أدخلتهم السجون معروفة للجميع وتتكرر كل يوم، وينبغى أن تكون معاناة هؤلاء عبرة وعظة ودرسا لكل من يفكر فى الاقتراض أو الشراء بالتقسيط دون ضرورة، ومعظم قصص الغارمين مؤلم حيث استدانوا دون ضرورة، وساعدهم على ذلك تسهيلات بعض الشركات أو التجار من محترفى البيع بالأجل، وعدم تدقيقهم فى الأوراق والضمانات التى وقعوا عليها وهو الأمر الذى عرض هؤلاء المدانين لعقوبات عدم سداد الدين.. فضلا عن جهل بعض الغارمين واستهانتهم بالتوقيع على شيكات أو إيصالات أمانة بمبالغ تمثل أضعاف ما حصلوا عليه، فالذى يحصل على سلعة بخمسة الآف جنية يوقع على عشرين ألفا وربما أكثر مما خلق وضعا مأساويا لكثير من هؤلاء خاصة بعد عجزهم عن السداد وحصول مشكلات مع من اشتروا منهم بالأجل.
المواجهة الحقيقية لا تتمثل فى الحل العاطفى السريع وقيام أهل الخير بدفع ديونهم لفك كربهم وإعادتهم لأسرهم فقط ، لأن أسباب المشكلة ستظل قائمة، وكلما نجحنا فى فك كرب بضعفة مئات أو آلاف من هؤلاء من السجون دخل أضعافهم بسبب الاستهانة بالدين والشراء دون ضرورة، والتوقيع على ضمانات مبالغ فيها.. ولذلك فإن المواجهة الحقيقية لمشكلة الغارمين تتمثل فى توعيتهم بخطورة الاستدانة وقيام مؤسسات الدعوة ووسائل الإعلام فى المجتمع بحملات توعية جادة وهادفة لصرف البسطاء عن التفكير فى الاستدانة دون ضرورة، وعدم التوقيع على مبالغ تفوق الاستدانة الحقيقية.
**
الموقف الشرعى من الاستدانة دون ضرورة واضح وجلى ومسئولية والعلماء والدعاة وخطباء المساجد والمتحدثين فى البرامج الدينية بالفضائيات إبرازه للناس حيث يؤكد د.أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر أن تعاليم ديننا تحمينا من التورط فى ديون لا ضرورة لها، كما توجهنا الى عدم اللجوء الى المرابين الذين يستغلون الناس، ويقول: ديننا ينفرنا من الاستدانة ولا يبحها لنا إلا عند الضرورة القصوى، والإنسان الذى يتعود على الديون يعيش مهموما غير مرفوع الرأس بين الناس، ولذلك قالوا: " الدين هم بالليل وذل بالنهار".وجاء على لسان بعض الحكماء: ( من اعتمد على زاد غيره طال جوعه".. وإذا استدان الإنسان فهو مطالب شرعا بالوفاء بالدين عند حلول أجله دون مماطلة أو تسويف، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فى الحديث الصحيح: " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله".. فالمشكلة لا تكمن فى صاحب الدين بقدر ما تكمن فى المستدين، ولذلك فالذى يأخذ أموال الناس ويماطل فى أدائها مع قدرته على الأداء هو إنسان ظالم يستحق العقوبة والتأديب، ففى الحديث الصحيح يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: " مطل الغنى ظلم" أى تسويف القادر على السداد فى دفع ما عليه ظلم منه لنفسه ولأصحاب الحقوق.. كما يقول صلى الله عليه وسلم فى حديث آخر: " إن من أعظم الذنوب عند الله أن يموت رجل عليه دين لا يترك له قضاء".. أى: إن من أكبر الكبائر أن يموت إنسان وعليه ديون كان فى إمكانه أن يدفعها لأصحابها ولكنه لم يدفعها.
لكن ينبهنا د.هاشم الى اختفاء خلق إسلامى عن حياة كثير من الناس وهو "التيسير على المعسر"، ويقول: الشريعة الإسلامية ألزمتنا برد الدين عندما يحين أجله دون مماطلة أو تسويف، لكن لو كان المدين متعثرا فعلا وليس لديه ما يرد به دينه، فقد حث الإسلام الدائن أن يكون رفيقا رحيما بالمدين، وهنا يقول الحق سبحانه:"وإن كان ذو عسرة فنظرة الى ميسرة وإن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون"
أى: وإن كان الشخص الذى عليه دين معسرا فأمهلوه الى الوقت الذى يستطيع فيه الوفاء بدينه، وإذا تصدقتم ببعض أو بكل ما لكم من ديون على غيركم كانت صدقتكم هذه خيرا لكم إن كنتم من أهل العلم والمعرفة.
عودوا الى تعاليم دينكم تختفى الاستدانة أو تنحسر وتختفى أو تتلاشى مشكلة الغارمين.