معاً للمستقبل
للفن بريق وسحر يأسر القلوب.. وللموسيقى والأغنية على وجه الخصوص تأثير عابر للأجيال ورغم مضى عشرات السنين فإننا نجد أغانى عاطفية لأم كلثوم أو للعندليب مثلا يدندن بها شباب اليوم رغم اختلاف ذوقه وبعده عن التراث وانغماسه في التكنولوجيا ..أما الأغنية الوطنية فهي الأكثر ارتباطاً بالوجدان الشعبي والأكثر التصاقاً بالذاكرة الوطنية ومن ثم تعلو مكانتها بحسبانها جزءاً أصيلاً من نضال شعبنا، وعلامة فارقة على تاريخنا ..ومن هنا تحقق لها الخلود ، وصارت عابرة للعصور..وهو ما لا نراه في كثير من أغاني اليوم التي لا تصمد في الذاكرة ولا تترك تأثيراً يذكر حتى في نفوس من يحرصون على سماعها؛ ما يؤكد أن الغناء ليس مجرد صوت مترنم يشدو بلحن جميل بل إحساس وإيمان بقيمة الكلمة الصادقة التي تملك الوجدان وتحدث التغيير وتصوغ الذوق والإحساس.
ابتعاث الأغاني الوطنية مشهد يتكرر باستمرار، كما حدث في أعقاب أحداث 25 يناير 2011 وفي الاحتفال بالذكرى الثانية والثلاثين لاسترداد طابا، وهو ما ينعش ذاكرة الانتصارات.. فمن ينسى أغنية " مصر اليوم في عيد" للفنانة الراحلة شادية التي ترافقت مع تلك المناسبة العظيمة.
الفن كغيره من أدوات الثقافة بمثابة جهاز مناعة وظيفته تحصين الوطن ضد كل ما هو دخيل أو معادٍ ، وهو رسالة تنوير وصيحة تحذير ضد كل ما من شأنه الإضرار بوعي الناس أوالانحراف بهم عن الفضيلة والأصالة والوعي الصحيح بواجبات الوقت ومقتضيات المواطنة..كما يدرأ عنهم كل محاولة لاستلابهم أو إفساد ذوقهم بأعمال هابطة غنائية كانت أو تمثيلية أو حتى توك شو.
إفساد الذوق العام جريمة مكتملة الأركان في حق الشعوب والأوطان؛ فهو إن حدث يخلق أجيالا قابلة لمعاداة وطنها وإسقاطه من داخله دون أن يطلق أعداؤه رصاصة واحدة..وإذا لم يكن الفن هادفاً وقادراً على تغيير واقع سيىء للأفضل فلا خير فيه بل لا يصح اعتباره فناً من الأساس فهو سلاح مدمر يستهدف ضرب الدولة في أعز ما تملك؛ ثروتها البشرية التي هي أهم مقومات بقائها واستقرارها.
الفن مرآة تعكس حقيقة ما عليه الشعوب وما تؤمن به وما تتحلى به من قيم، ويمكنك التنبؤ بحالة أمة إذا ما عرفت ما يفضله شبابها ونشؤها من أغانٍ وفنون وهوايات ورغبات..فتلك أدوات لا تخطيء سبيلها للتشخيص الدقيق لمستقبل أي أمة ومصيرها..وحتماً فإن الإنسانية سوف تتحسن أحوالها إذا ما أخذت الفن على محمل الجد فهو الأكثر نفاذا لذاكرة الشعوب والأكثر قدرة على بناء الذوق السليم وتهذيب الشعور واستنبات الحس الراقي والإحساس الصادق المتصالح مع نفسه ومع الحياة ذاتها..فهل أدركنا خطورة الفن في حياة الشعوب؟!
بعد ساعات ..تحل الذكرى الرابعة والأربعون لرحيل عندليب الشرق عبدالحليم حافظ الذي غيبه الموت في 30 مارس 1977بعد معاناة أليمة مع فيروس "سي" الذي حصد بلا رحمة أرواح الملايين من المصريين على مدى عقود..حتى اكتُشف له علاج ناجع وصارت مصر خالية من هذا المرض الفتاك بفضل المبادرة الرائعة للرئيس السيسي الذي عمل على توفير علاج مجاني لمرضى التهاب الكبد الوبائي الذي ندعو الله أن يتوفر علاج مماثل لفيروس كورونا؛ يبدد المخاوف بشأن بعض اللقاحات المثيرة للجدل والريبة..ولا نعرف إن كانت ستمنع الإصابة بهذا الوباء المستجد..وإلى أي مدى ستستمر هذه المناعة..؟!
قدم العندليب الأغنية الوطنية التي تساند الدولة وتشد من أزر قيادتها في الشدائد والمفترقات الصعبة فكان لأغانيه تأثير لا يدانيه تأثير، وصنع ببضع كلمات بصوته ما عجزت عن صنعه مئات البرامج والمقالات والكتب.
الأمر الذي يجعلنا نقول : ليتك كنت بيننا اليوم يا حليم فنحن في أشد الحاجة لمثلك في ظروف وتحديات بالغة الصعوبة..!!
بساطة "حليم" وتلقائيته وعذوبة كلماته وروعة ألحانه سحرت الآذان وألهبت المشاعر، وأحيت الأحاسيس وصنعت مجداً ليس لشخصه فقط بل للغناء المصري الذي صادف وقتها كوكبة من المبدعين تتصدرهم كوكب الشرق أم كلثوم وموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب وأمير الطرب والتلحين فريد الأطرش وغيرهم من عمالقة الغناء في تلك الفترة الخصبة من تاريخ مصر.
رحل "حليم" تاركاً رصيداً هائلاً من حب الجماهير، وعدداً قيماً من الأغاني نحو 67 أغنية وطنية..منها 10 أغنيات جسدت حالة حزن اعترت المصريين بعد نكسة يونيو 67..ويحضرني ما قاله الراحل عبدالرحمن الأبنودي إنه بعد وقوع النكسة أقمنا في الإذاعة أنا وحليم والطويل ثلاثة أشهر متصلة ، أنا أكتب الأغاني، والطويل يلحنها، وحليم يغنيها..وكنا وقتها نشفق على الشعب من هول الصدمة؛ فجاءت الأغاني معبرة عن تلك الحالة وحاولنا رفع معنويات الشعب بأغانٍ مثل " ابنك يقولك يا بطل "، و"أحلف بسماها وبترابها" التي ظل حليم يرددها حتى عادت سيناء مصرية ..و "عدّى النهار" وهي من أهم الأغاني التي عكست حالة حزن ألمت ب"حليم" إثر النكسة، ولمَ لا، و العندليب كان يملك حساً وطنيًا عالياً، جعله مهموماً بآمال أمته العربية كلها.
كما غنى العندليب "المركبة عدّت" بعد نصر أكتوبر وعودة القناة في احتفال مهيب أقيم على ضفافها ..ولا يزال "حليم" بعد كل هذه السنوات حاضراً بقوة كقيمة ورمز في وجدان المصريين وجزءا من ذاكرتهم الوطنية..ولا تزال الأوبرا تخصص لأغانيه حفلات سنوية يشدو بها كبار المطربين..فشتان بين ما قدمه حليم وما يقدمه البعض في يومنا هذا من سخافات يدعون أنها "غناء".
العندليب ورفاقه قدموا إسهامات فنية ووطنية كبرى كرست تماسك الجبهة الداخلية والتفاف الشعب خلف قيادته .
أما عن أغانيه العاطفية فقد كانت محط إعجاب وحب جارف من الشباب أيامها، وربما في أيامنا هذه أيضاً..ولم تكن الابتهالات والأغاني الدينية أقل حظاً في إبداعه بل برع فيها لدرجة أبكت العيون والقلوب، ومنها "أنا من تراب" و"أدعوك يا سامع"، و"رحمتك في النسيم"، و"ورق الشجر"، و"يا خالق الزهرة".
بإحساسه العاشق كان "حليم" مدرسة متفردة أدى بصدق المتفاني لإسعاد جمهوره المتعطش للحب، غنَّى للخير والحب والثورة والقدس والعروبة ، ولم يترك مناسبة وطنية ولا قومية إلا وغنى لها، معبراً عن مشاعر الملايين؛ وكان طبيعياً ما تركه حليم وأغانيه من أثر قوي في النفوس؛ ذلك أن الأغنية شأنها شأن السينما والمسرح قوة ناعمة لا يستهان بها بل ينبغي للأجهزة المعنية أن تعود للإنتاج الفني بشتى أنواعه من أفلام هادفة وأغانٍ جادة، يمكنها إعادة صياغة وجدان الشعب وجعله على قلب رجل واحد، لاسيما في الأزمات والمحن وتكريس قيم التسامح والولاء للوطن.. وبعد كل هذا العطاء والتفاني ..أليس حليم وأم كلثوم وعبدالوهاب وشادية وغيرهم من نجوم الزمن الجميل جديرين بهذا الحب الجارف حتى يومنا هذا..؟!
الأغنية الوطنية ظهرت في مصر مع الاحتلال البريطاني وبزوغ المقاومة الوطنية بعد اندلاع ثورة 1919ضد هذا المحتل، وجسد فنان الشعب سيد درويش بصوته وألحانه مطالب الثورة، وصدح عبدالوهاب بأغنية "حب الوطن فرض عليا أفديه بروحي وعنيا" احتفالاً بمعاهدة 1936 التي أبرمها مصطفى النحاس زعيم حزب الوفد مع الإنجليز، ثم نشبت حرب فلسطين 1948 التي ألهبت الشعور الفني؛ فغنى عبدالوهاب قصيدة على محمود طه "أخي جاوز الظالمون المدى..فحق الجهاد وحق الفدا" تنديداً باحتلال فلسطين.
الأغنية الوطنية دخلت عصرها الذهبي مع ثورة 23 يوليو، حيث تفجرت شلالات هذا النوع من الأغاني بصورة غير مسبوقة مثل "عالدوار عالدوار راديو بلدنا فيه أخبار"، وصدحت أم كلثوم بعد أسابيع قليلة جداً من قيام الثورة بأغنية "مصر التي في خاطري وفي فمي أحبها من كل روحي ودمي"..كما جرى الإفراج عن أغنية عبدالوهاب "كنت في صمتك مرغماً" التي منعت إذاعتها السلطات الملكية آنذاك.
عبالحليم حافظ خلع عليه البعض لقب "صوت الثورة" التي بدأ معها مشواره الفني بأغنية "العهد الجديد"، ثم غنى "إحنا الشعب"، ثم "صورة" و"بالأحضان"، و"أهلاً بالمعارك"، و" قلنا حنبنى و آدى احنا بنينا السد العالى"، "ناصر كلنا بنحبك"، "دقت ساعة العمل"..إلخ.
فريد الأطرش قدم هو الآخر "سنة وسنتين"، وفايزة أحمد "يا حبيبتي قاهرتي لن تغلبي، لن تقهري"، ونجاة "وطني وصباي وأحلامي"، كما قدم عبدالوهاب ملاحم غنائية وأوبريتات رائعة بمشاركة نجوم الطرب مثل "عاش الجيل الصاعد"، ز"صوت الجماهير"، " وطني حبيبي"، ثم توقفت الأغنيات الوطنية بعض الوقت حزناً على رحيل عبدالناصر، ثم عادت بقوة مع نصر أكتوبر العظيم في عهد السادات الذي غنى له حليم للمرة الأولى "عاش اللي قال".
وكان لنصر أكتوبر تأثير مختلف ومذاق خاص، فقد حظي بحالة فريدة من الصدق الفني لأغنيات عديدة مثل "باسم الله الله أكبر باسم الله" للمجموعة، و"أنا عالربابة باغني"لوردة، و"يا أول خطوة فوق أرضك يا سينا"، ,"الباقي هو الشعب" لعفاف راضي، و"لفي البلاد يا صبية"، و"قومي إليكِ السلام يا أرض أجدادي! "، و"صباح الخير يا سينا" لحليم.
كما غنت سعاد حسني "دولا مين دولا مين"، ومحمد نوح "شدي حيلك يا بلد"، و"أم البطل" لشريفة فاضل وغيرها من الأغنيات التي عبرت عن ذلك الحدث العظيم في وقته.
ومع تصاعد الأحداث وسخونتها في 25 يناير 2011 استدعت الجماهير عدداً من الأغاني الوطنية مثل "بلادي بلادي"، وأغنية شادية "يا حبيبتي يا مصر"..كما استعادت أغاني الشيخ إمام مثل "يا مصر قومي وشدي الحيل كل اللي تتمنيه عندي" وكذلك أغانيه مع أحمد فؤاد نجم "مصر يا أمه يا بهية"، "الورد اللي فتح في جناين مصر"،و"يا مصريين" لآمال ماهر، و"الشهيد" لعلى الحجار، و"إزاي" لمحمد منير، و"مصر قالت" لعمرو دياب،و"دايماً عايشين" لحماقي.
ومع قيام ثورة 30 يوينو وفرحة الشعب باستجابة الجيش المصري لمطالبه جرى تقديم عدد من الأغاني الوطنية احتفالاً بتلك الثورة ، وكان أشهرها " تسلم الأيادي" كما قدم الفنان الإماراتي حسين الجسمي أغنية "تسلم إيدك"، كما تبارى مطربون شباب لتقديم أغانٍ وطنية بعد أيام من 30 يوينو، كما أعاد البعض غناء "بلادي بلادي"..وهكذا ولدت الأغاني الوطنية من رحم الأحداث الكبرى وعايشتها وكرست لها وارتبطت بوجدان الناس وعاشت في ذاكرتهم وليس أدل على ذلك من أغنية "اسلمي يا مصر" التي عاشت لسنوات نشيداً وطنياً يجسد مشاعر الانتماء والولاء لمصر التي هي في خاطر أبنائها وفي دمهم، وطناً يعيش فيهم ويعيشون به..حماها الله وحفظها من كل سوء.