بين مد وجزر تمضى العلاقات بين أمريكا والصين؛ القطبين الأكثر أهمية ونفوذاً على سطح الكوكب؛ لكنها اليوم في أكثر حالاتها تشنجاً وريبة؛ حتى أن البعض يراها مقدمة لحرب باردة جديدة بين الجانبين.. وبينما كان للحرب الباردة الأصلية بعدٌ تكنولوجيٌ مهمٌ - من خلال سباق التسلح وسباق الفضاء بالدرجة الأولى - فإن التنافس الحالي بين الصين والولايات المتحدة يتمحور حول التقنيات الحيوية التي تسيّر مجتمعاتنا الآن وفي المستقبل، كالذكاء الإصطناعي وتقنية 5 جي.
ولعل ما جرى منذ أيام من ملاسنات وتبادل عبارات حادة واتهامات بين مسئولين رفيعي المستوى من الفريقين في أول محادثات تجريها إدارة بايدن مع الصين على مرأي ومسمع وسائل إعلام عالمية يكشف عن أي مفترق طرق وصلت إليه الأمور بين الطرفين اللذين تتعدد وتتشابك أسباب الخلاف والصراع بينهما.. وخصوصاً ما يتعلق بالتجارة وحقوق الإنسان وبدايات تفشي فيروس كورونا و تداعيات التغيرات المناخية.
ما يهمنا هنا ولعله يهم العالم كله هو تداعيات هذا الصراع على استقرار كوكب الأرض ؛ فمثلا تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي الذي خيم على العالم كله العام الماضي كان بسبب حرب الرسوم المتبادلة بين واشنطن وبكين من ناحية أخرى، وكورونا من ناحية أخرى.. ولولا تراجع الفريقين خطوة للوراء لكانت العاقبة وخيمة على الجميع؛ فقد عقد الجانبان اتفاقًا بينهما ألغى بعض تلك الرسوم ؛ وتعهدت بكين بزيادة وارداتها من البضائع الأمريكية بقيمة ملياري دولار؛ وهو ما خفف مؤقتا حدة الأزمة؛ لكنه لم يحسم بعد الإشكالية الأساسية.
ثمة ملفات مهمة أخرى أثارت النزاع بين الولايات المتحدة والصين، وأولها اتهام الأولى للصين بمحاولة بناء إمبراطورية بحرية في بحر الصين الجنوبي ومعارضة أربع دول أخرى لمطالبة بكين بأحقيتها في 90% من هذا البحر الذي يحوي موارد غنية للطاقة في بعض مناطقه.
خلاف آخر نشب بين أمريكا والصين حول احتجاجات مؤيدة للديمقراطية في هونج كونج التي فرضت عليها بكين تشريعا أمنيا جديدا فردّ عليها الرئيس الأمريكي الأسبق ترامب بفرض قيود وعقوبات على مسئولين صينيين ومؤسسات مالية صينية ممن شاركوا في سن القانون إياه . ولم تتوقف عوامل التوتر ومسبباته بين الجانبين حتى وقعت أزمة"أقلية الإيغور" لتعاود واشنطن فرض عقوبات على مسئولين وشركات ومؤسسات أخرى في الصين رأت أمريكا أن لها صلة بانتهاكات حقوق أقلية الإيغور المسلمة في إقليم شينجيانغ الغربي.
ولم تتوقف الخلافات بين الصين وأمريكا حيث عمدت الأخيرة إلى معاملة وسائل الإعلام الرسمية الصينية الكبرى معاملة السفارات الأجنبية وخفّضت عدد الصحفيين المسموح لهم بالعمل في مكاتب المنافذ الإعلامية الصينية في الولايات المتحدة إلى 100 صحفي بدلا من 160 صحفيا؛ وهو ما قابلته بكين بطرد عشرة مراسلين أمريكيين يعملون بمنافذ إعلامية أمريكية كبرى، وطلبت من المؤسسات الإعلامية الأمريكية تقديم تفاصيل عن عملياتها في الصين، ثم استحدثت واشنطن قواعد جديدة تُقّيد منح التأشيرات لطلبة الدراسات العليا الصينيين الذين تعتقد أن لهم صلات بالمؤسسة العسكرية الصينية.
أمريكا تخشى على نفسها تمدد نفوذ التنين الأصفر في العالم، ولا تألو جهداً لجعله فى وضع متخلف، ولا تكف- إذا لزم الأمر- عن إشهار سلاح العقوبات في وجه الشركات الصينية ، وإدراجها على قائمتها السوداء؛ بدعوى إن لها صلات بالجيش الصيني.. كما حدث مع "هواوي الصينية" التي جرى إدراجها على قائمة وزارة الخزانة الأمريكية الخاصة بالمخاوف على الأمن الوطني ومن ثم تقليص قدرتها على الحصول على مكونات وإمدادات حيوية مثل الرقائق الإلكترونية من الموردين الأمريكيين. كما جرى اتهام الشركة أيضا بانتهاك العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران وبأنها قادرة على التجسس على عملائها وهي الاتهامات التي نفتها هواوي مؤكدة أن واشنطن تريد إحباط نموها لأنه لا توجد شركة أمريكية تقدم التكنولوجيا نفسها بسعر منافس..والنتيجة أن أمريكا حققت بالفعل نجاحا في دفع دول عديدة لعدم التعامل مع هواوي.
ورغم أن أمريكا و الصين تريدان تخلى كوريا الشمالية عن أسلحتها النووية فإن هذا الملف مسكون بالخلافات؛ ذلك أن واشنطن تتهم الصين بخرق عقوبات الأمم المتحدة على كوريا الشمالية وهو اتهام تنفيه بكين. وتريد الصين رفع العقوبات لكن الولايات المتحدة تختلف معها وقد جمعت ثلاثة لقاءات بين الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون وترامب لكنهما فشلا في إقناع بيونجيانج بالتخلي عن أسلحتها النووية ولا تزال الأخيرة تطالب بإنهاء العقوبات المفروضة عليها..فهل تتعاون واشنطن وبكين لمنع كوريا الشمالية من تطوير أسلحة الدمار الشامل رغم التوتر الحالي..والأهم هل تهدأ حدة التوتر بين بكين وواشنطن أم تزداد وتدخل نفق حرب باردة جديدة .. !