لوجه الله:
لا شك أن الابناء إحدى زينتى الحياة الدنيا، وقد تمنى الذرية جميع الناس حتى الأنبياء، يقول الحق سبحانه:" المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا" .. لذلك يسعى كل زوجين إلى الإنجاب وكلما تأخر تضاعف القلق وبدأت رحلة البحث عن السبب وقد يستمر العلاج والتردد على الأطباء لسنوات ثم لا يجد الزوجان أمامهما سوى الرضا بقضاء الله وقدره.
لذلك لا أحد ضد الانجاب.. لا الدولة ولا غيرها، لأنه أحد أهم عوامل الاستقرار الأسرى.. لكن لو بحثنا فى ملف "الانجاب العشوائى" لوجدنا موروثات من عصر الجاهلية الأولى لا تزال تسيطر على عقول الكثيرين من الآباء والأمهات معا ومن بينها آفة "البحث عن الولد الذكر"، فتظل الأسرة تنجب بلا وعى بحثا عن الذكر، لأن كثيرا من الآباء والأمهات- للأسف- لا يزالون يفضلون الذكور على الاناث وهو ما يدفع كثير من الأسر الى أن تظل تنجب إناثا ولا تتوقف بحثا عن الولد الذكر وقد ينعم الله به عليها وقد يقدر الله لتلك الأسر البنات فقط.. لكن المحصلة النهائية للبحث عن الذكر هى انجاب عدد كبير من الاناث يمثلون عبئا معيشيا على كثير من الأسر فضلا عن عبء رعايتهن صحيا وتعليمهن وتزويجهن وتوفير عوامل الاستقرار لهن.
***
لذلك، فإن نشر الوعى ضد (الانجاب العشوائى) يتطلب أولا نشر الوعى الدينى والاجتماعى بالرضا بالأبناء الاناث والسعادة بهن والسعى الجاد لرعايتهن وتعليمهن ليكن عناصر فاعلة فى المجتمع.
إذا أردنا وعيا دينيا واجتماعيا ضد الانجاب العشوائى الضار بالأسرة والمجتمع فيجب مواجهة رزيلة تفضيل الذكور على الاناث والسعادة بالولد أكثر من البنت والتى لا تزال متأصلة فى نفوس الكثيرين منا، لا فرق فى ذلك بين إنسان متعلم وإنسان بسيط، أو بين أسرة تعيش فى المدينة أو تعيش فى الريف، فالغالبية العظمى من الأزواج والزوجات يبحثون عن الولد الذكر، ولذلك اخترع لهم الأطباء تقنية "التحكم فى جنس المولود" ليحققوا لهم رغباتهم وتطلعاتهم.
استمرار كراهية البنات أو النفور منهن من جانب بعض الآباء والأمهات شعور بغيض يجب أن يختفى من حياتنا، لأنه كما وصفه بعض علماء الإسلام (من أفعال الجاهلية) لذلك يجب حث كل أب وكل أم على التخلى عن هذا الشعور البغيض الذى لا يوجد ولا يتوارث إلا فى بلادنا العربية، وهنا يجب على الأزواج أن يحسنوا التعامل مع زوجاتهم، ولا يحملوهن مسؤولية نوع المولود، فليس للزوجة دخل فى ذلك، فضلا عن التوقف عن الإساءة للبنات إنطلاقا من مفاهيم خاطئة ومشاعر بغيضة لا يقرها دين ولا عرف ولا قانون.
بالتأكيد نقدر مشاعر كل أب وأم ورغبتهما فى تنوع أولادهما ما بين ذكور وإناث، ونرى أن رغبة الأب أو الأم فى إنجاب طفل "ذكر" مشروعة، ولا نصادر حقهما فى السعي المشروع لتحقيق هذه الرغبة إذا ما كانت هناك وسائل علمية تحقق لهما هذه الرغبة وتلك الأمنية، لكن ما نرفضه وندينه هو تحميل الزوج زوجته مسؤولية ذلك، والإساءة إليها أو تطليقها بسبب إنجاب البنات كما هو شائع بين شريحة من الرجال في مجتمعاتنا العربية.
الى جانب جهود علماء ودعاة الإسلام فى كل المواقع ودور وسائل الاعلام وبرامجها المختلفة ينبغى أن يكون للدراما التلفزيونية والسنيمائية دور واضح فى مواجهة هذا الشعور البغيض بكراهية البنات من خلال مواد درامية مؤثرة توضح أن الأبناء الذكور ليسوا مصدر حماية وسعادة للأسرة فى كل الأحوال، وتقدم نماذج من أرض الواقع لأبناء ذكور لم يسعدوا آباءهم بل على العكس كانوا نقمة ووبالا عليهم، وفي المقابل تقدم نماذج من البنات كانوا على أفضل ما يكون عليه البر بالوالدين.
كما ينبغى على مختلف وسائل الاعلام أن تبرز دور المرأة فى حياتنا المعاصرة فالمرأة المصرية الآن تحتل العديد من المناصب القيادية فى الدولة وتشارك بنسبة كبيرة فى مجلسى النواب والشيوخ كما أنها تنافس الرجل فى كل المواقع وهذا يكفى لكى تسعد كل أسرة بما لديها من بنات وتسعى لتأهيلهن تأهيلا جيدا ليكن عناصر فاعلة فى المجتمع المصرى.
***
الموقف الشرعى من رزيلة تفضيل الذكر على الأنثى واضح جلى وتحدث عنه العديد من العلماء وأوضحوا رعاية الإسلام للأنثى وحث الآباء على الاعتناء بها ورعايتها، وحذروا من استمرار سيطرة الشعور بكراهية البنات.
يقول العالم الأزهرى الدكتور أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء: بالفعل تفضيل الذكر على الأنثى من رواسب الجاهلية التى يجب أن تختفى من حياتنا، فقد كان معروفا في الجاهلية شدة كراهية البنات ووأدهن أي دفنهن أحياء مخافة العار ، فلما جاء الإسلام أنكر ذلك وشدد في النهي عنه والتحذير منه، قال تعالى "وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت" وقال جل شانه: "وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون".. كما بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العديد من الأحاديث النبوية مكانة البنات، وما منحهن الإسلام من الكرامة والحقوق حيث أنهن الأمهات والزوجات والأخوات، ولهن في الحياة مكانة ورسالة لا يمكن إغفالها.. لذلك نطالب كل أب أو أم رزقهما الله بالبنات أن يتغلبا على مشاعرهما غير الحميدة تجاه الإناث.. ينبغي أن نكون عادلين في معاملاتنا لأولادنا فلا نفضل ولدا على بنت، ولا نحرم بنتا من حق من حقوقها.
علينا أن نرضى بما رزقنا الله به من البنات، ورب بنت صالحة متعلمة وحنونة أفضل من مائة ولد عاق، فهناك ذكور ـ للأسف الشديد ـ يهجرون آباءهم ويمارسون العقوق بكل أشكاله ضدهم.
يجب أن يدرك كل الآباء أن كراهية إنجاب البنات شعور لا يصدر إلا عن إنسان ضعيف الإيمان جاهل بتعاليم دينه، فالإسلام رفض كل أشكال التمييز ضد المرأة، كما رفض كل أشكال الإساءة إليها وحث الآباء والأمهات على العناية بالبنت مثل الولد تماما وتعليمها وتربيتها تربية صحيحة وعدم تفضيل الولد عليها في المعاملة والتربية والاهتمام. لذلك فإن كل شعور معاد للمرأة هو فى نظر الاسلام شعور مذموم من المولى عز وجل، فديننا يحارب كل شعور بغيض ضد الأنثى وكل سلوك يحرمها من حقوقها وأبسط حقوقها الحق فى الحياة مثل الرجل تماما، وقد خصها الاسلام برعاية وحماية خاصة، ويكفى هنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "من كانت له أنثى فلم يئدها ولم يهنها ولم يؤثر ولده عليها أدخله الله الجنة".