كلام .. بكلام
بسبب ظروف كورونا والحبس الاختيارى بالمنزل بعد فترات العمل ، وبينما انا فى رحلة البحث بالرموت كنترول عبر القنوات الفضائية تابعت بكل سعادة مسرحية الزعيم عادل امام " شاهد مشفش حاجة" وهو يتحدث مستغربا ومستنكرا الى حاجب المحكمة ويقول له " انت ليه سايب الشقة كلها وقاعد في اوضة بس" .. ربما بقصد او بدونه شعرت ان في هذا المشهد اسقاط مباشر على الشعب المصرى، الذى قرر ان يستغنى راضيا عن اكثر من ٧٠٠ الف كيلو متر مربع من ارض مصر التي تبلغ اكثر من مليون كليومتر مربع، ويكتفى فقط بعدة الالاف من الكيلو مترات ليعيش عليها اكثر من ١٠٠ مليون مصر.
لازمان طويلة ظل المصريون، يتحابون ويتصارعون وينجبون على تلك الكيلومترات القليلة، دون ان يعيروا اى اهتمام لاكثر من ثلاث ارباع مساحة مصر الجغرافية ، وللحقيقة فأن كل الحكومات المتعاقبة كانت دائما تتحدث عن التوسع والخروج من الوادى الضيق، ولكن جميع مخططاتها زادت من عمق المشكلة ، وكلما كانت الحكومات تسعى للتوسع والخروج ، فانها كانت تعتبر ان الابتعاد عن العاصمة كيلو مترات تعد على أصابع اليد كافية ، ومن هنا جاءت مديرية التحرير، ومدينة نصر، خلال عقد الستينيات من القرن الماضى، ثم جاءت مدينة العاشر من رمضان والشروق والسادات، في محاولة جدية لاستيعاب الزيادات والكثافات السكانية في العاصمة، وفى لحظة ما اكتشفنا جميعنا ان كل تلك المدن الجديدة أصبحت فعليا جزء من ضواحي العاصمة، او امتداد لها، بغض النظر عن التقسيم الادارى.. هكذا أصبحت الازمة مشكلة مستعصية، وتحولت المأساة الى ملهاة.
ولكن ربما عاد الى الامل من جديد، وانا اشاهد المهندس مصطفى مدبولى، رئيس الوزراء وهو يتفقد مدينة العلمين الجديدة ، التي تقع على بعد اكثر من ٦٠٠ كيلو متر تقريبا من العاصمة القاهرة ، واكثر من ٧٠٠ كليو متر من العاصمة الإدارية الجديدة، وشعرت اننا استوعبنا الدرس وتعلمنا من تجاربنا، وتم اختيار المكان بحرفية كبيرة فهو أولا يبعد عن اى كثافة سكانية يستحيل معها ان يصبح في المستقبل البعيد مجرد امتداد مثله مثل العاشر من رمضان او مدرية التحرير، ثانيا ، ادركت القيادات السياسية والتنفيذية ان الابتعاد وحده لا يكفى ولأنه توجد مدن كثيرة مهجورة لانها تفتقد الى الخدمات الأساسية كما انها بمرور الوقت عانت من الإهمال الادارى والحكومى، لذلك فأن وجود مقر لمجلس الوزراء فى العلمين على حدود مصر الغربية يمثل تغييرا جوهريا وفلسفيا في رؤية الدولة المصرية للمستقبل ، ولأنه ينهى فكرة المركزية في العاصمة السياسية القاهرة، كما انه سيعنى انه سيكون هناك تواجد على اعلى مستوى قيادى وسياسي في تلك المدن ، بما يجعلها دائما محط اهتمام ورعاية الدولة ، وهذا الامر سيخلق مناخ مشجعا للاستقرار لكل من يريد او يفكر ان يفتح له مجال عمل او رزق خارج الوادى الضيق.
خطوة الحكومة اكدت لى بالفعل ان هناك رؤية جديدة تتعاطى مع المستجدات ومشاكل مصر بآليات وأفكار خلاقة .. وهو أيضا يؤكد لنا ان مصر ليست مجرد "اوضة وصالة" فقط ولكنها دولة كبيرة يمكنها ان تستوعب كل أبنائها والاجيال المقبلة.. فتحية لكل من يساهم في تطبيق تلك الرؤية .. وننتظر ان نرى تفعيلها في سيناء والصعيد.