رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معاً للمستقبل

إذا سلمنا بأن الصحافة هي في الأصل رسالة ورمانة ميزان لتشكيل الوعي و صيانة الرأي العام من العبث والخداع..وأن ثمة جحافل صحفية تسربت في غفلة أو كبوة إلى صاحبة الجلالة بلا تأهيل و لا حاجة حقيقية تقتضي وجود كل هذه الكثرة في بلاطها.. ناهيك عن غياب التدريب والتقويم وتناقل الخبرات وضعف الوازع الأخلاقي وتراجع قيم أصيلة تحت وطأة المنافسة الشرسة والتسارع التقني للإعلام والصحافة ومواقع التواصل المختلفة وتساهل النقابة في قبول كل تلك الأعداد خصوصاً بعد أحداث يناير2011.. كلها عوامل كانت وبالا على المهنة وخصماً من رصيدها العريق وتأثيرها السحري في الجماهير حتى بات أهلها أكثر عدداً، وأقل أثراً ونفعاً..!!

تكالب دخلاء كثر على المهنة، وتسلق شجرتها هواة من كل صوب وحدب بعد أن جذبهم بريقها وغواية شهرتها وذيوع صيتها بينما تخلت عن أوائل خريجي الصحافة والإعلام ..وعجزت النقابة عن صد هذا الزحف على نيل عضويتها التي قاربت 13 ألفاً..ما يحزن في هذا الأمر ما سمعناه عن سماح صحف خاصة وحزبية بدخول أعضاء للنقابة بإملاءات وشروط غير مهنية تسببت للأسف في تجاوزات غير أخلاقية تنتهك تقاليد عريقة للمهنة أرساها رواد مبدعون ذوو ضمائر حية ونفوس سوية خاضوا معارك مشرفة من النضال المرير ..ولم تكن المحسوبية بريئة من حصول أشخاص فاقدين لأدني مقومات المهنية على كارنيه النقابة طمعاً في حصد مزايا مادية جرى إقرارها أصلاً لإعانة الصحفي على مواكبة ركب التكنولوجيا ومستجدات العصر..خاصة في صحف سخرها البعض لخدمة أجنداتهم ومصالحهم دون الالتزام بمعايير شفافة لضم أمثال هؤلاء إلى بلاط صاحبة الجلالة.

ولعل ما نراه اليوم من فوضى صحفية كان نتاجاً لأوضاع سردتُ بعضها في سطور سابقة، وكان لانتخابات النقابة أيضاً دور ليس هيناً فيها.. وقد جاءت عمومية الصحفيين يوم الجمعة الماضية ولم يكتمل نصابها كما توقعت.. وكان مقرراً لها لو اكتمل نصابها بحضور 50% زائد واحد انتخاب نقيب الصحفيين وستة من أعضاء مجلس النقابة ..لكن للأسف لم يحضرها سوى 157 عضواً فقط رغم أن من لهم حق الانتخاب يزيد عددهم على ثمانية آلاف صحفي؛ الأمر الذي يعني أن الانعقاد القادم لعمومية الصحفيين والمقرر له 19 مارس الجاري يحتاج فقط لحضور 25% زائد واحد بما مجموعه 2479 صحفياً.. فهل هذا الرقم كثير؟!

ربما يرجع البعض هذا الغياب الكبير لفيروس كورونا وخشية الزملاء انتقال العدوى إليهم أثناء التصويت..لكني أرى سبباً آخر يبدو لي أكثر وجاهة وحسماً؛ ذلك أن أحداً من المرشحين سواء على مقعد النقيب أو عضوية المجلس لم يقدم برنامجاً انتخابياً مقنعاً ينتزع به حماس الصحفيين الذين عزفوا عن الحضور..فكل برامج هؤلاء المرشحين هي عبارات إنشائية لا تقدم ولا تؤخر تكررت مع كل انتخابات..ولم يقدم واحد منهم جواباً مقنعاً لسؤال حتمي: ما سنفعل لإنقاذ المهنة مما وصلت إليه من عشوائية وتردٍ وتراجع في الدور والمكانة..وهي معضلات تزداد تفاقماً عاماً بعد عام..فلا تزال أجور الصحفيين هي الأدني بين فئات المجتمع..فهناك نسبة لا تقل عن 95% من الصحفيين عاجزون عن مواجهة صعوبات الحياة ومتطلبات المهنة..وهناك عدد غير قليل لا يحصل إلا على بدل التدريب والتكنولوجيا ومقداره 2200جنيه..بالإضافة لآخرين لا يحصلون على أي علاوات دورية في صحف حزبية وخاصة استغنى بعضها عنهم نتيجة صعوبات اقتصادية تسببت فيها كورونا وغيرها.

ودعونا نكن صرحاء لنضع أيدينا على مواطن الخلل والقصور إذا أردنا حلها..و لست أبالغ إذا قلت إن الصحافة تراجعت مكانتها وتراجع معها مكانة الصحفيين في المجتمع، ولم يعد بإمكان الصحفي الوصول للمسئول –أي مسئول- مباشرة، و قد صار المتحدث الرسمي لأي جهة رسمية ظاهرة تمنع تحقيق الانفرادات والسبق الصحفي بعد أن صار هذا المتحدث هو الصحفي الأوحد الذي يصوغ البيانات والمعلومات ثم يلقي بها إلى الصحفيين..ولعل محاولة واحدة للبحث عن معلومة أو موضوع ما على جوجل مثلا ستأتيك بمتوالية خبرية صيغت كلها على نمط واحد وربما بعناوين متشابهة..فأي مصلحة في حجب الصحفي عن الوزير حتى يلقاه بصورة مباشرة دون حجاب كما هي حال الصحافة في كل الدنيا..ومَن من المرشحين يملك حلاً لهذه الإشكالية..؟!

ما أكثر صعوبات وتحديات مهنة الصحافة التي تتعاظم يوماً بعد الآخر ..وما أشد معاناة الصحف الورقية التي باتت على شفا الهاوية والانقراض بفعل الأزمات العاصفة التي تمر بها ؛ فثمة مصاعب اقتصادية وغلاء فاحش في مستلزمات الطباعة والتشغيل وندرة الإعلانات والموارد..ومنافسة شرسة غير متكافئة مع الفضائيات والسوشيال ميديا والمواقع الإلكترونية ..ناهيك عن تراجع المحتوي وقيم المهنة وأخلاقها والأحوال المالية والإدارية التي ساءت بعد يناير 2011..وكلها عوامل تعكس عمق مأساة وقسوة ما تعيشه الصحافة التي يتنافس على انتخابات نقابتها اليوم مرشحون كثر لم يقدموا برامج عمليةً للمعالجة والحل.

وظيفة الصحافة والإعلام كما تعلمناها في الجامعة هي نشر الخبر الصادق والتحليل المعمق والتحقيق الموضوعي المجرد من الهوى والميول الشخصية.. فالرأي النزيه حق لصاحبه لا سلطان عليه إلا ضميره وصالح المجتمع، ولا رقابة عليه إلا القانون.. تعلمنا أيضاً أن الإعلام رقيب، وهو عين الشعب على الحكومة والبرلمان، وهو إحدى أدوات الشفافية في الدولة المدنية الحديثة، يتعقب الفساد والمفسدين.. يتناول قضايا الناس وآلامهم وأوجاع المواطن وهمومه وطموحاته بأمانة وحياد وموضوعية..ينبه إلى مواطن القصور وسوء الأداء، ويسعى لبناء وعي حضاري بحركة التاريخ والحياة، ويتبنى أولويات الأمة في خضم الصراعات والمصالح..يشبع حاجة الجمهور إلى المعرفة الجادة الرصينة بتقديم ما يحتاجه هذا الجمهور حتى يكتمل رشده وتستنير بصيرته وتتسع مداركه.. وليس تقديم ما يحبه الجمهور وبينهما فارق شاسع؛ فليس كل ما يحبه الناس نافعاً لهم بل قد يكون فيه ضررهم.

الأصل في الصحافة والإعلام أن يكونا وسيطاً نزيهاً بين الشعب وحكومته، ينقل آلامه وطموحاته تماماً كما يقدم ويشرح قرارات الحكومة ويبسطها للناس متى كانت نافعة للصالح العام، حتى يفهموا مغزاها ويستجيبوا لها لتصبح بعدها قابلة للتطبيق.. وهذا هو الأهم فى دائرة الاتصال بين الحكومة والمواطن..فهل حققت صحفنا وإعلامنا هذه المعادلة..هل تبنت أولويات المجتمع وقضاياه الحقيقية في التنمية وسياق التقدم أم استسلمت لغواية مواقع الاشتباك الاجتماعي فيس بوك وتويتر ..؟!

هل يدرك القائمون على إعلامنا وصحفنا أننا نهدى أعداءنا فرصًا على طبق من ذهب حين يتم نشر أخبار كاذبة تثير بلبلة وذعراً بين الموطنين..أو حين يشتط البعض في رأيه مدحاً أو قدحاً؛ فالتطرف لا يخدم قضية بقدر ما يثر ريبة الناس ونفورهم.. ولا غنى عن الوسطية في كل شيء؛ فإذا ما نشر الإعلام مثلاً أن سلعة ما سيزيد سعرها فيتكالب الناس عليها ويعمد التجار الجشعون إلى إخفائها؛ تعطيشاً للسوق وطمعاً في جنى مزيد من الأرباح عبر بيعها بأزيد من سعرها..فيتكدر السلم الاجتماعي ويقع الضرر الأكبر بالفقراء والمعدمين..وهنا يصبح ضرر الإعلام أكبر من نفعه ..والسؤال: أليس عدم التثبت من الأخبار أو المعلومات قبل نشرها بين الناس يجعلها وقوداً للإثارة والفتنة ومصدراً للهلع والفزع ..أليس أعداؤنا وخصوم وطننا هم المستفيد الأكبر من سقطات الإعلام وزلاته؟!

ما نرجوه هنا ألا يتحول صانع الرأي العام من فاعل مؤثر في الأحداث وناقل لها إلى مفعول به أو مادة للتسلية وقتل الفراغ أو أن يتحول هو نفسه إلى خبر ..وما دمنا بصدد معركة انتخابية في نقابة الصحفيين ليكن همّ المرشحين أن يجيبوا على سؤال وجودي: كيف ننقذ مهنتنا من التردي.. وكيف نستعيد عافيتها ورونقها الجميل..وكيف تتخلص من زوائدها والدخلاء عليها..وأن تبدي النقابة مزيداً من الانضباط والتحرز في قبول أعضاء جدد فليست العبرة بالكثرة وليست القوة بالعدد وإنما باستعادة المصداقية وإسناد الأمر إلى أهله ووقف الإساءة لصاحبة الجلالة على غرار ما فعلت نقابة المحامين مثلاً حين عملت بدأب وجسارة تحسد عليهما لتنقية جداولها وعدم قبول عضوية جديدة إلا بشروط محكمة تضمن توفر المهنية واللياقة والكفاءة والاستحقاق للمتقدمين إليها..نريد ضوابط حاسمة على غرار ما تفعله نقابات أخرى كالمهندسين والأطباء أيضا فهل رأينا أحداً يحمل عضوية إحدى هاتين النقابتين دون أن يكون ممارساً حقيقياً وكفئاً لتلك المهنة؟

مطلوب من مجلس نقابة الصحفيين القادم أن يضع ضوابط حاسمة لغلق الأبواب الخلفية التي تسمح بالتسلل خلسة لعضوية نقابتنا، وإدارة حوار مجتمعي موسع لوضع كود أخلاقي للمهنة يصونها من العبث ويحفظها من الانهيار..؟!

كما أن مجلس نقابتنا القادم مطالب أيضاً مع الأجهزة المعنية بالصحافة والإعلام بعقد مؤتمر موسع يضم شيوخ المهنة وممثليها لوضع رؤية ومباديء حاكمة للإصلاح وإعادة الاعتبار لتقاليد عريقة جرى إهدارها والتفريط فيها..نريد للصحافة أن تعود كما كانت مهنة المفكرين والأدباء وقادة المجتمع وليس مهنة من لا عمل له ..ننتظر إصلاحاً جاداً وحقيقياً لإعلام الدولة شاشاته وصحفه؛ فهو دون غيره رمانة ميزان وصمام أمان أمننا القومي الساهر على رعاية مصالح الأمة وحماية أركان الدولة.

نريد أجندة عمل نقابية تقدم حلولا واقعية لمشكلة أجور الصحفيين وحصولهم على المعلومات من مصادرها دون إبطاء أو تعقيد حتى لا تتخلف الصحافة عن دورها في توعية الناس وإغنائهم عن اللجوء لمصادر أخرى تتفنن في نشر البلبلة وتشويه الحقائق وطمس الإنجازات وإهالة التراب على كل ما هو إيجابي في الدولة المصرية.

الكل خاسر باستمرار الأوضاع المتردية للصحافة والإعلام.. والخاسر الأكبر هو الوطن ..والأجدى أن تبحث الجماعة الصحفية والإعلامية عن مداخل أكثر واقعية لاستعادة التأثير والمصداقية في وقت تشتد فيه حاجة الوطن إليهما وإلى كل كلمة صادقة وصورة معبرة ولقطة موحية قادرة على إحباط آلاف الشائعات.. كما أن الوطن يعول على الإعلام في تمهيد وصناعة النصر في معارك البقاء والبناء وتحصينه ضد رياح الفتن والمؤامرات التي تهب بين الحين والآخر..وتتعاظم حاجته أيضاً لعودة الإعلام ملتزما بقضايا أمته في ظل ما تعانيه من ظروف قاسية..فالكذب لا يصمد أبداً إذا ما أشرقت أنوار الحقيقة.

إن صلاح الأمة في صلاح إعلامها وصحافتها فهما ضمانة لقوتها وحيويتها وقد آن الأوان أن يستردا عافيتهما ومكانتهما وتأثيرهما القوي في المجتمع، وأن يتصدرا صفوفه كمشاعل نور وتنوير لن يتأتيا إلا بجهد مخلص وفهم عميق وإرادة حقيقية من أبناء المهنة والقائمين عليها حتى يمكن لها أداء الرسالة في مساندة الدولة ليس بالتهليل للحكومة عمّال على بطّال ولا بالانحياز المطلق لها كما يفهم البعض من أبناء المهنة بل بالنقد الهادف البناء وإعلاء المصالح العامة وصالح المجتمع على ما سواها ..وفي النهاية نقابة الصحفيين عليها دور كبير في رد الاعتبار للمهنة وتحسين أحوال أبنائها وعودة الصحافة بالفعل إلى مكانتها العريقة كما كانت في الزمن الجميل..وتلك ولا شك أبسط مقومات العمل النقابي.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة