"برقيات"
هل تتذكرون أشهر تحذير عرفته السينما المصرية في فيلم "حياة أو موت" عام 1954: "من حكمدار بوليس العاصمة إلى أحمد إبراهيم القاطن بدير النحاس.. لا تشرب الدواء الذي أرسلت ابنتك في طلبه، الدواء به سم قاتل، عند سماعك هذه النشرة بلغ الحكمدارية وعلى كل من يعرف مكان أحمد إبراهيم المذكور المبادرة بتحذيره إذا كان قريبًا منه أو إخطار الحكمدارية فورًا".
هذا المقطع التحذيري الخالد يتم منذ مساء الخميس الماضي، وطوال يوم الجمعة تتداول رسالة صوتية مماثلة له عبر الواتس مع تغيير بسيط بحيث يمكنك القول إنه من حكمدار التربية والتعليم إلى طلاب ومعلمي الشهادة الإعدادية الامتحانات المقرر عقدها يوم الأحد حقيقية وبالدرجات وعليهم التوجه إلى مدارسهم لاستلام أرقام الجلوس الحمراء لمعرفة اللجان عند سماعك التعليمات بلغ أهلك فورًا..
الرسالة الصوتية من أحد مديري المدارس الإعدادية بالقاهرة، موجهة من الإدارة التعليمية إلي كل المعلمين والطلاب في الصف الثالث الإعدادي، حيث تم الاستدعاء لاجتماع طارئ عصر الخميس، بخصوص تطور كبير على حد قوله وتعليمات جديدة صادرة من وزير التربية والتعليم الساعة الثانية والنصف، لتنظيم لجان امتحانات الصف الثالث الإعدادي والتنبيه بضرورة تواجد رؤساء اللجان في الثامنة صباح يوم الجمعة واستدعاء الطلاب يومي الجمعة السبت في مدارسهم لاستلام أرقام الجلوس الحمراء التي تحمل صورهم مثلما كان متبعًا في الماضي، لمعرفة أماكن لجانهم الامتحانية، التي ستجري صباح الأحد 7 مارس.
حيث تم توزيع الطلاب على المدارس ولن تجرى الامتحانات في مدارسهم كما كان معد سلفًا، وأن الورقة الامتحانية للطلاب سيتم حسابهم فيها بالدرجات، وكلها محسوبة كدرجات اختبار النصف الأول من العام وليست درجات اجتياز فقط للتيرم الثاني بحيث سيتم ضم ما يحصل عليه الطالب من الـ140 درجة إلى درجات نهاية العام المقرر عقده في يونيو القادم لتشكل المجموع الكلي للطالب وعلى أساسه يتم تنسيقه للمرحلة الثانوية.
و على حد وصف الرسالة الصوتية، "الدنيا اتقلبت" وتغيرت تماما، وعلى الطلاب المذاكرة جيدًا في الساعات القليلة المتاحة، وعلى جميع المدرسين التوقيع في دفتر الحضور الثامنة صباح السبت لاستلام خطابات الانتداب للمدارس التي سيعقد بها الامتحانات.. صحيح أن الامتحان في كل المواد في يوم واحد وفي ورقة امتحانية واحدة، على طريقة البابل شيت، وأن تصحيح الأوراق سيكون في الإدارة لا في المدارس لكن على الطلاب عدم الاستهانة والحفاظ على درجاتهم لأن الامتحان لم يصبح مجرد اجتياز كما كان يعتقد الناس.
فور سماعي الرسالة توجهت لصفحة الوزير الشخصية تحسبًا لأن تكون الرسالة الصوتية شائعة جديدة، فكان أول بوست له التحذير من انتشار الشائعات، علمًا بأن الوزير كتبها على صفحته "الإشاعات" لا الشائعات لكن ما علينا ربما تعمد استخدام الألفاظ العامية، كتب تحت عنوان "ضوابط النجاح والانتقال للصفوف الأعلى للشهادة الإعدادية" تأكيدًا على ما أعلنته الوزارة في 18 فبراير الماضي بخصوص الامتحان المجمع للشهادة الإعدادية، أنها امتحانات لا تضاف درجاتها إلي المجموع الكلي نهاية العام وأن الطالب الذي لم يجتاز امتحان الفصل الدراسي الأول أو حصل على 25% عليه التقدم لامتحانات تكميلية في الفصل الدراسي الثاني ويحسب مجموع الطالب وفق درجات امتحان الفصل الدراسي الثاني فقط ويتم تنسيق الطالب للالتحاق بالمرحلة الثانوية وفق تلك الدرجات.
ولأن لغة الواقع خير من التصريحات التي يتم نفيها طوال الوقت ثم نسبها إلي القلة المندسة المتربصة بالتجربة العظيمة التي ينظر لها العالم كله متعجبا"!!"، ولأن لنا أبناءً وأقاربَ وجيرانًا، أجرينا عددًا كبيرًا من الاتصالات اتضح أن كل ما سبق حقيقي لكن يخص محافظة القاهرة فقط "!!" أما الجيزة والإسكندرية وغيرهما الامتحان اجتياز كما أعلن الوزير من قبل.
طبعا مثل كل عاقل يريد الصالح العام أُثمن وأقدر أن يكون الامتحان حقيقيًا لقياس قدرات الطالب، بل أدعو دائمًا أن يكون تعليمنا حقيقيًا ونستعيد به ريادتنا وحقنا في تعليم يليق بأبناء مصر، لكن ما الداعي للخداع الاستراتيجي الذي انفردت به محافظة القاهرة وإعلان خطة جديدة تم نسبها للوزير في ساعة الصفر وكأنه اقتباس من خطة مصر في حرب السادس من أكتوبر، حين اخترنا وقت راحة الأعداء لتوجيه ضربتنا العسكرية، وهل نستطيع القول الآن أن مسئولي محافظة القاهرة هم من يثيرون البلبلة والرأي العام لا الصحافة والإعلام. وهل ثمة أغراض سياسية أو مادية للمحافظة؟ ومن يحاسبها؟ وهل حقًا هي تنفذ تعليمات الوزير؟