لوجه الله
قرأت تقريرا مفصلا عما قدمه عدد كبير من أثرياء العالم لمواجهة وباء كورونا فى بلادهم، بل تكفل بعض هؤلاء الأثرياء بمواجهة الوباء فى دول أخرى محدودة الإمكانات أو فقيرة، ووفروا لها الأدوية اللازمة ومستلزمات الحماية الصحية.. والآن يتسابقون للمساهمة فى توفير اللقاحات اللازمة لحماية هؤلاء الفقراء.
قصص العطاء الإنساني المتواصل للأثرياء ورجال الأعمال حول العالم منذ بدء ظهور وباء كورونا مبهرة وتجسد نموذجا إنسانيا رائعا للتكافل الإنسانى ينبغى أن يقتدى به أثرياء العالم العربى، خاصة وأن لدينا دوافع أكثر لكى نتفوق على هؤلاء فى العطاء الإنسانى، فتعاليم ديننا تدفعنا دفعا الى تقديم عطاء إنسانى هو الأفضل بين النماذج الإنسانية البشرية فى كل الأوقات، وليس عند مواجهة وباء أو أية أزمة طارئة.
لا يستع المقام لسرد نماذج من عطاء أثرياء العالم لمواجهة وباء كورونا الفتاك، وما أريد أن أذكر به هنا أن مواجهة هذا الوباء ليس مسئولية الحكومات وحدها، بل هو أيضا واجب كل شخص أنعم الله عليه بالرزق الوفير، فقد رحل أصحاب مليارات بسبب هذا الوباء، ولم تغن عنهم أموالهم شيئا، وعلى أصحاب الأموال أن يدركوا أنهم راحلون لا محالة ولن تنفعهم أموالهم، ولكن سينفعهم حتما ما يقدمون لانقاذ حياة الآخرين وإطعام الفقراء وإغاثة أصحاب الحاجات فى كل وقت وخاصة فى ظل الظروف الاقتصادية والصحية الصعبة التى يعيشها معظم سكان العالم بسبب انتشار جائحة كورونا.
****
سعدت كثيرا لمبادرات بعض رجال الأعمال المصريين بالمساهمة فى توفير اللقاح لمحدودى الدخل فى مصر، والواقع أن هذه فرصة لكى يتسابق كل الذين أنعم الله عليهم بالرزق الوفير، خاصة وأن الأزهر ودار الافتاء قد أكدتا جواز تقديم الزكاة لتوفير ما يحمى حياة الفقراء ومحدودى الدخل، كما أن ساحة الصدقات التطوعية واسعة ورحبة وتتسع لكل العطاءات الانسانية الكبيرة، وقد أكد العالم الأزهرى الدكتور نصر فريد واصل عضو هيئة كبار العلماء ومفتى مصر الأسبق أن موارد الزكاة وحدها تكفى لكفالة كل احتياجات أصحاب الحاجات( صحة، وطعاما، وإسكانا، وتعليما، وتوفير مقومات الحياة الكريمة لهم).
لذلك ننتظر من أثريائنا - رجال أعمال وفنانون ولاعبو كرة قدم وغيرهم- المزيد من العطاء الإنسانى والخيرى، وأن تتواصل مبادراتهم لتشمل كل ما يحمى المواطنين ويوفر لهم الحياة الجيدة، ذلك أن دعم ورعاية محدودى الدخل وأصحاب الحاجات في كل دول العالم ليس مسئولية الدولة وحدها، بل هو واجب الأغنياء أيضا.. والدولة المصرية ترعى الملايين من خلال معاش "تكافل وكرامة" فضلا عن المخصصات التموينية التى تنفق عليها مليارات، كما خصصت مئات الميارات لتطوير القرى وتوفير مقومات الحياة الكريمة لسكانها.
*****
الفقر مشكلة عالمية وفي كل دول العالم- بما فيها الدول الغنية الكبرى- فقراء يتلقون مساعدات شهرية، ويحتاجون فعلا الي مزيد من المساعدة.. وفي مصر كما فى غيرها من الدول فقراء يحتاجون الي دعم الدولة ودعم أهل الخير.. وهنا نتساءل: ما حجم عطاء أثرياء مصر من رجال الأعمال وكبار فنانين ولاعبي كرة قدم وغيرهم في دعم الفقراء؟ولماذا يبخل كثير من الأثرياء ببعض ما أنعم الله به عليهم، وكل ما لديهم من خيرات هذا الوطن وعرق وكفاح شعبه؟ ولماذا لا يشعر أغنياؤنا بالغيرة من أقرانهم في العالم الذين يخصصون أجزاء كبيرة من ثرواتهم لدعم ورعاية الفقراء والمرضي وأصحاب الحاجات؟
لقد كفل ديننا حياة كريمة لكل أصحاب الحاجات بما فرضه علي الأغنياء من زكوات، وما حثهم عليه من صدقات تطوعية ووقف خيري.. لكننا نشعر بالخجل عندما نجد أثرياء لا توجد في عقائدهم فرائض مالية يقدمون عطاء إنسانيا مبهرا يفوق كثيرا عطاء هؤلاء الذين يخاطبهم الحق سبحانه وتعالي بقوله:" وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم".
يجب أن يراجع بعض الأثرياء حساباتهم ومواقفهم، وأن يتسابقوا فى ميادين العطاء الإنسانى فى مصر، وأن يدركوا أن البخل علي الفقراء، أو المتاجرة بالأعمال الإنسانية سلوكا لا يليق بالعقلاء، وعليهم أن يعلموا أن الله يكافيء علي العطاء الذي تصاحبه نية صادقة، العطاء الذى لا ينتظر صاحبه منافع من أى نوع، فالعطاء الإنسانى هو الباقى وهو النافع وهو الشافع لصاحبه يوم لا يفيد فيه مال، ولا يشفع فيه ثراء.
ديننا يعلمنا سخاء النفس وجودها، ويسلحنا بفضيلة "الكرم" ويخبرنا أنه من الصفات التى يجب أن يتحلى بها الإنسان.. وعلماء الأخلاق يؤكدون أن "العطاء الإنسانى" من أهم السمات والخصائص التى تميز شخصية إنسان عن غيره، والله سبحانه وتعالى كتب الفلاح والنجاح فى الدنيا والآخرة لأصحاب العطاء والجود والكرم حيث يقول سبحانه:"ومن يوق شح نفسه فأؤلئك هم المفلحون".. وكل من ينفق أمواله فى ميادين الخير له عند الله الأجر الجزيل، يقول سبحانه وتعالى:" الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون".
ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو القائل:" السخى قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار، ولجاهل سخى أحب الى الله تعالى من عابد بخيل".
ديننا- وهو دين رقى سلوكى وأخلاقى- لم يترك عملية البذل والعطاء سواء أكانت تجاه قريب أو صديق أو ضيف أو فقير تسير وفق أهواء النفس، فيتصرف كل واحد وفقا لتربيته وثقافته، لكنه هذب سلوك الباذل للعطاء حتى لا يسىء الى الآخذ أو المتلقى لهذا العطاء، وأحاط سلوك الإنسان بضوابط أخلاقية تضاعف من قيمة عطائه تجاه الآخرين ومن أبرزها أن يجود الإنسان بالثمين المحبب إليه.. قال تعالى:"يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم"..ويقول تعالى:"لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما يحبون"، وألا يمن الغني على الفقير بما أعطاه، فذكر العطاء أو المن به أو تفخيمه مبطل له، قال تعالى: "يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر".
أيضا أدبنا ديننا بعدم المباهاة بالعطاء، أو الافتخار به، فللعطاء في الإسلام ثلاث خصال: تعجيله وتيسيره وستره، وقد عدَّ رسولنا الكريم- صلى الله عليه وسلم- من يفعل ذلك من السبعة الذين يظلهم الله بظل عرشه يوم القيامة حيث قال:"ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه"، وألا ينتظر العاطى الشكر علي عطيته من المعطى له، فالعطاء ينبغى أن يكون ابتغاء مرضاة الله وحده.