الذكريات وليدة الذاكرة، نعمتان أقل غدرًا من نعمتي الثراء والجمال. فالذكرى أكثر أستدامة وأشد وطأة وإلتصاقًا بالإنسان، فيما الثراء والجمال لا يعدوان سوى محطات يعبرهما المرء هرولًة على مر العمر، فينزل منهما بمحطة تبديل الأحوال أو لربما يُقذف منهما عُنوة إثر حادث مباغت أو قد يسقط بفعل ضربة تأميم تطال الأثرياء فتجعلهم أحاديث لعهد مضى بين تشبيب وشكوى ونواح.
■ ■ ■
ولكم استعمرتني ذكرياتي مع الأسكندرية، إذ لها صدى الزوبعة في فنجان النفس ما يزعج حاضري من فرط تداعيها كنوّات الشتاء، تلك التي تدق على نافذة العمر فتدك أمس المرء وتحيل يومه وغده لشرود يسكنه أو لربما ينعشه في الوقت ذاته على ما فيه من إضطراب يبعثره من فرط سكرة النشوى، إلا أنه لا يمس شاهق ما بناه من ذكريات عمرها بروحهوشيدها بقصور على رمال طفولته.
ذكرياتي دائمة التنبيه بأن كان لي مع عروس المتوسط قصة حب سرمدية كما بين قيس والعامرية.
الإسكندرية تلك الفاتنة الساحرة المتناسقة المعالم، الشقية بالنهار، واللعوب بالليل، إمرأة لم تنس يوما أنها إبنة الإسكندر وسليلة نسل عريق اختلطت فيه أمواجها بالشرق عدا كون رمالها قد تناسبت برباط قدسي مع شواطئ الشام والمغرب و الغرب على مهر وقدره لآلئ البحر وأصدافه، مهما ثار بين المشرق والمغرب من تباعد الجزر، لأن التاريخ سطّر أن المد آتٍ لا محالة...
الإسكندرية هي امتياز للمكان كما أنها هبة الزمان للأكوان. مكانها بالجغرافيا ومكانتها بين تاريخ المدن تحاكي مكانة يوسف بين الأسباط.
كلما ارتحلت لمطالعة حلا الدنا وبهاها، اكاد تسمع همس آهات القُرى
"تالله لقد آثرك الله علينا يا سكندرية ":
لطالما حققت تلك المتوسطية التوازن النفسي للمصريين سيما حين يرتحلون لمدن الرومان فلا يهابون جلال الغرب أو عمرانهم "القوطي" كون حسن مدينتهم يعلو على سواها من أمصار العالمين.
■ ■ ■
فالأسكندرية مدينة تحصنك، فما أن تقترن بشطآنها حتى تحدثك نفسك:" أن ما عادت فتنة الغرب تعنيني"، كزوجة مكينة لدى زوجها ما استطاعت آخريات أن ينلن من حظوتها.
الأسكندرية، حورية، كلما شاهدت سواها من بنات حواء، تيقنت أن الغلبة لتعرجات سواحلها الذي يحاكي خصر القيثارة. ولروعة موانيها كما ولتقبب صخورها وأواه من زعفرانية رمالها أو كهرمانية شطآنها، عدا بهاء مراسيها وألف أواه لعبق ضواحيها ولعراقة مكتباتها ولرونق زخرفاتها وجلال معمارها ولصفوة أعلامها ولفرادة طقسها، لقسوة شتاها أو لزخات أمطاره وصقيعه .. ولنسمة صيفها أو لرطوبته ونداه.
بكل عنفوانها تُذكرك أن قبالة شطآنها تنتصب أعرق المكتبات في التاريخ .. كما ترسخ على عتباتها إحدى عجائب الدنيا.. وفي شارعها صفية زغلول سُحلت "هيباتيا " أول امرأةلمع اسمها كعالمة رياضيات وقد عرفها الشرق لا لكونها فقط ابنة لثيون، رئيس جامعة الإسكندرية القديمة لكن لأنها من طليعة من انتصرن لأبجدية العلم.
■ ■ ■
بكل سفرة إلى تلك الساحرة وبكل وقفة بمواجهة بحرها الهدار وأمواجها العاصفة بل قبل الولوج لمدخلها البري، تستقبلك العاصمة الثانية لمصر بعبق اليود الأّخآذ كسيدة تجيد إغوائك بعطرها أن " هئت لك " فإقترب، فتنصاع، وترمي بياض قلبك وتلبي وتدنو حتى تركع على أطراف رمال شواطئها فتعربد بك أمواجها وتقلبك رأسًا بلا عقب، لتعود بنهاية المطاف من السفرة وقد سُلبت روحك بل لربما لم تسفر لك تلك السفرة سوى أسفارًا عن مكنون روحك.
..
تأسرك فتقف مشدوهًا وأمام ناظريك الأفق مسرمدًا وشمسها الأصيل تشفق على أهل الأرض من عتمة العِشاء، فتطمئن لبحرها كما اطمئن أسلاف اليونان والرومان لكهنتها، فسكنوها واستودعوها خزائن أسرارهم ومقطوعات من قلوبهم، لتسكب بدورها عليهم من ملح بحرها ما يطهر الأحزان. فلا وربي ما هجروها إلا مُكرهين وقد اندمجوا فيها فخالطت أمواجها ذراريهم، فلا تعرف أهم أضافوا قيمة لسبيكتها الثمينة أم تراها هي من عطفت على طبيعتهم فأثرتها أصالة ونبلًأ.
■ ■ ■
كما أن كل نبي في وطنه مهان، فقلما يعي سكان تلك المدينة عظمتها
وقلما يدركون الجاذبية في منطوق ألسنتهم الذي تأثرت بطبيعتهم الساحلية الممتدة بمد يَمِهم حين يتعجبون ب " أيووووووه " تماما كموجة داعبتك بقذيفة مياه يبقى زبدها بصدى يوووووووووووه.
وقالت نسوة في المدينة القاهرية: السكندرية فقدت رونقها بعد أن راودت شعوب الأرض عن أوطانهم وقد شغفوها حبًا. وكثر القيل والقال عن حسنها الذي ولّى و عن زحامها الذي تجلى، إلا أني أجدها خمرة ما زادها الزمن سوى تعتيقا. كزرابي فارسية أعجمية لم تضف إليها السنوات إلا قيمة كسر من أسرار الكون لم يتمكن التاريخ من تجاهل سطر من أمجاده.
-يزورونها بحثا عن متعة أو هربًا من سوء طقس، بيد أني بكل خطوة أخطوها بتلك المدينة تحدثني نفسي أن على هذه الأرض مشت كيليوباترا وعلى رمالها المتوسطية عبر البوصيري، وفيها عاش الطرطوشي والمرسي أبو العباس، كما أن الخديوي عباس حلمي الثاني، الأَميرة فوزية، الأديب توفيق الحكيم والمعماري حسن فتحي ولدوا على ثراها.على بقاعها كتب الشاعر كفافيس قصائده الفريدة، وفيها نشأ العالمي عمر الشريف والرسام الخالد محمود سعيد كما وسيف وانلي،. وقائمة تطول ولا تنتهي لعظماء قدروها تقديرا.
■ ■ ■
ذكرياتي بها تستهل بنزل"سيسيل" على بعد خطوات من بيت جدتي بالمنشية، هنالك كنا نتناول العشاء بمطعمه القديم إلا أننا كثرما جلسنا على مقهاه "التروتوار".
لازلت أرتاد مقهى"تريانو" ولي ركني الخاص بجانب الستائر النصفية للتلصص على الشارع والمارة، لكني ما البث أن أتركه ريثما أتسكع بمحطة الرمل، اشتري فشار اتقاذفه في فمي كبهلوان ثم أدلف لصفية زغلول و أعرج على الحي للاتيني ومنه لشارع فؤاد حتى اصل لصلاح سالم حيث ابتاع كتبًا وأحيانًا حذاء ثم أعود لأرفه نفسي بجلسة في "ديليس".
-ما زالت نكهة البن البرازيلي تدعوني للجلوس على مقاعد المقهى الحمراء.
ما زالت الذكريات تحثني على الاستزادة منها بالمرور على "تافرنا" حيث توسوس لي ذاكرتي بأيام مضت كنا نشتري خلالها شطائر الشاورما، تتخطفها أفواهنا لتقضي عليها قبيل العودة لبيت جدتي القريب من هذا المطعم...
ما زلت أقفز في الترام ولكم حرصت على أن يَخْبُر أبنائي هذه المواصلة العتيقة ولكم انتشوا من صوت عجلاته حينما تصطك بالقضبان تمامًا كما انتشيت، وما تزال تشجيني صور واجهة البنايات العتيقة الدائمة الحسن على ضفتي الترام.
- ما زلت من عشاق التسكع على الكورنيش وتحسس الصخر بيمناي والتقاط صورة تذكارية بيسراي بجوار المتوسط ومحاولة إخفاء قُرص الشمس بباطن كفي مع خلفية للنورس الأبيض البهيج.
- ما زال موجها الغضوب يتخبطني ويكأنه ينبهني لوجود "متحرش" فأسرعي، فأمد ذراعي استوقف عربة أجرة ملونة، سوداء وصفراء فاقع لونها تسُر الناظرين كبقعة شمس وقعت على الأرض، وأشرد في ليل بهيج لطفولتي، كنت حياله أنام هربًا من وعثاء السفر، فإذا ما استفقت على تلكم العربات بلونها الأصفر، فإذ بدقات قلبي تصرخ طربًا أن ها قد وصلنا، وحبذا أجراس الأحآد ُتقرع ومكبرات الجُمَع تُصدح بأن الله أكبر.. كما ولي مع ركوبة الحنطور حكايات مع صغاري، وحين كنت أنا .. أنا صغار.
■ ■ ■
ماغ زلت مولعة بقلعة " قايتباي" وبحي بحري والأنفوشي مذ ديباجته وحتى منتهاه، حتى أني لم أفقد بعد روح الدهشة من كل لمسة جمال معماري في هذه المنطقة الأكثر عتقًا، أما عن مشهد الميناء وتناثر المراكب الشراعية الملونة فيه .. والصيادون مكوث، يطوون الصبر تحت أذرعتهم، وبالأكف سنارة الأمل وشِبَاك الربِح، يغروون أسماك المتوسط ب "البساريا " بغية أن يرد لهم اليم الهدية بأعظم منها: بوري، دنيس أوقاروس.
هكذا لوحة هي بالنسبة لي رؤيا أصحو عليها ب "يا بشراي"..
-حتى حديقة "انطونيادس" تلك التي هجرها علية القوم وصفوته، لا زلت أرى فيها ما يدعوا للتنزه.
للمنتزة الغلبة في وجداني، فلي ذكريات في حدائق قصرها وفي نُزلها الرائع "هلنان فلسطين"، لكني حبًا للتغير، نزلت منذ فترة "بشيراتون المنتزة" لكن ما زال "ويندسور" و"سيسيل" هما العشق والزواج الكاثوليكي.
لازلت أحرص على زيارة "صابر" فرع الإبراهيمية وأطلب "أرز بلبن" ثم أهمس للبائع
:لطفًأ، لا تضيف سوى البندق وأيس كريم "مستكة" فلست من محبي الزبيب وجوز هند.
-أعود "لقايتباي" لتناول الطعام بالنادي اليوناني ثم ألوم نفسي حينما أكون في هذا المكان دون صغاري الذين يفضلبون "الفيش كورنر" في بحري.
-صغيرة كنت أشتري مع جدتي السمك من السوق كما كنا نشويه هنالك .. ثم نعود لتناوله بالدار القاطن فوق القهوة التجارية في المنشية على البحر، وأغرق في بحر من الدموع كلما استرقت النظر لشرفة البيت ذات البرامق الرومانية من الشارع الجانبي .. ثم أطالع الطرف الآخر حيث كان يعيش جيراننا من أهل اليونان فيعبث بي الحنين .
-لا زلت أتوق لالتهام السمان وورقة اللحم على الطريقة الإسكندرانية..
■ ■ ■
-لكم افتقد الحوريات اللائي كن ينظمن المرور بملابس الشرطة في مشهد يتصدى لشتى المحاولات الداعشية التي تواجه بلادنا.
لكم يساورني الحنين لنزل "سان استيفانو" العريق الذي بت فيه بليلة شتوية، شعرت خلالها أني إحدى أميرات قصر عابدين.
تظل الاسكندرية العروس الأجمل رغم الزحاموالغلاء ولا زالت نسائها قويات، متقدات الذهن رغم جهلن بسحر لهجتهن التي توازي في شرعتي جمال اللهجة البيروتية بل العراقية والحلبية.
لست بصدد ذم قرى الساحل الشمالي، فلطالما ارتدت شواطئ مطار الدخيلة و مصيف برج العرب وسيدي كرير كما والعجمي وأبو تلات وقرية الدبلوماسيين وعايدة وسواها من القرى على امتداد الساحل الشمالي.
لكن شتان بين الرخام، الحجر الهاشمي وصخور البحار وبين سواه من سيراميك الساحل مهما لمع أوألق.
فأنا وإن كنت قاهرية المولد إلا أنني سكندرية الروح ، بحرية الهوى. .حتى انني اتمنى العيش هناك لاتمكن من القول
عندنا في الاسكندرية بنطبخ بطريقة مختلفة
عندنا في الاسكندرية بنقول على الجينة الرومي جبنة تركي
عندنا في الاسكندرية بنقول عىل المبيكروباص ، مشروع
لكم اود الانتماء لهناك
وستظل تلك المدينة عالقة في قلبي كما يعلق الشغف بجنبات المحبين المتكئين على أرائك الكورنيش في ليالي الشتاء المطيرة، يحتمون بعطف أيديهم على قلوبهم، واشتابك ناظريهم بأهداب المحبة.. أما وحين يتخيمون تحت ظلال معاطفهم، فأي عشق أرق وأرهف.
سيظل لعروس البحر المتوسط في وجداني حنين الابن لرائحة عباءة أمه الراحلة
سيظل لها حلو أمل العود وشوق الزوجة لأوبة شريكها الرحّال.
سنبقى لها حفاوة الأطفال بهدايا العيد ووعد أن الغد شاطئ وموج ورمال ودراجة وملاهي ومعمورة.
سيظل لها مجد المفكرين لتطهير العقول من موجات فكر الطاعوية للأبائية أو للأسلاف بدون اعمال العقل" إنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ .. وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ".
سيظل للاسكندرية قصيدة لم تكتب بعد ولوحة لم ترسم قط.
سيظل للأسكندرية طيف مقعد بجوار النافذة بالقطار حيث دهشة الطفولة .. وأفواه مفتوحة وعيون محدقة لظل أشجار تعدو للخلف ونحن نستبقها للأمام وأحلام كانت كلما سرنا تطير.
سيظل للاسكندرية رائحة بَشرة جدتي وذكرى موقع سجدتي وقِبلة فرحتي ومنتهى رجاي .
لأن الذكريات لا تزال في صدري