رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

برقيات

الأسبوع الماضي تحديدًا يوم 3 فبراير مرت الذكري الـ 46 لوفاة سيدة الغناء العربي كوكب الشرق، فاطمة إبراهيم السيد البلتاجي ابنة الشيخ إبراهيم منشد ومؤذن قرية طماي الزهايرة بمركز السنبلاوين بالدقهلية، أم كلثوم الست ثومة، والتي مازالت رغم غياب الجسد، متربعة على عرش الغناء وعلى قلوب محبي الفن الراقي الأصيل مكتمل الأبعاد، كلمات وألحان وغناء وجمهور يعرف ويتذوق قيمة ما يقدم له من فنون.

معادلة مكتملة العناصر صوت وصفه الخبراء بأنها حنجرة ذهبية معجزة إلهية وهبها الله لمصر بل وللوطن العربي، يجتمع معها كبار الشعراء والملحنون في ذلك الوقت، شاعر الشباب أحمد رامي والشيخ زكريا أحمد والشيخ أبو العلا محمد ومحمد القصبجي لتشكل أول تخت غنائي موسيقي عام 1928. ويتوالى عليها كبار الملحنين رياض السنباطي وسيد مكاوي ومحمد عبدالوهاب الذي كان بينهما منافسة فنية شريفة..

الست كانت أول صوت غنائي في الإذاعة المصرية يوم افتتاحها في 31 مايو 1934، وكان أخر أغنية لها هي "حكم علينا الهوى" التي قدمتها عام 1973 حتى أسلمت الروح لبارئها في فبراير 1975.

حين نذكر تاريخ ثومة يجب أن نذكر دورها في حفلات باريس التي خصصت دخلها لدعم المجهود الحربي بعد هزيمة 1967لتسترد مصر عافيتها وكرامتها وإعادة بناء الجيش المصري وهو ما تحقق بنصر أكتوبر في حرب 1973.

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ وصلاح جاهين وغيرهم من كبار فناني الزمن الجميل في الغناء والتمثيل والإخراج وكل أنواع الفنون والأدب والفكر والثقافة شكلوا مع غيرهم وجدان شعوب المنطقة العربية كلها ومن مصر انطلق مفهوم القوة الناعمة المؤثرة. وقتها كان للعلم والتعلم قيمة وهدف حيث كان هو الوسيلة الوحيدة للارتقاء في السلم الاجتماعي وكانت الثقافة هي جواز المرور لذلك العالم الراقي المتحضر الذي تلمسه في البنايات النظيفة والملابس الأنيقة البسيطة والكلمة المهذبة والسلوكيات المتحضرة بين فئات الشعب بكل مستوياته الاجتماعية.

فهل ما نعيشه اليوم ونصادفه من تدهور وتدني في الذوق العام من أغان ركيكة وكلمات هابطة وألحان مسروقة خالية من الإبداع، وأصوات ما أنزل الله بها من سلطان تصبح بين ليلة وضحاها ملء السمع والبصر، دراما قلما تجد فيها ما يخاطب العقل ويرتقي بالمشاعر، بحجة مسايرة الواقع، و يتصدر هؤلاء قائمة النجوم الأكثر شهرة وثراء، ويحاول الشباب تقليدهم بشتى الوسائل للوصول السريع حتى لو قدموا فيديوهات تتنافى مع كل القيم والأخلاق لحصد علامات الأعجاب التي تتحول إلى أموال نتيجة ارتفاع نسب المشاهدة، وأمثلة كثيرة لا مجال لذكرها لكن النتيجة والمحصلة هي توارى قوة مصر الناعمة وتراجعها، والأهم تراجع القيم الإنسانية والأخلاقية وعلي رأسها بالطبع قيم التعليم والتعلم.

الست ثومه تراث إنساني اكتملت له كل عناصر النجاح، ارتقت بالذوق العام فاستمرت باقية مؤثرة حتى اليوم، من بين ما أطلق عليها من ألقاب هرم مصر الرابع، والتراث يجب الحفاظ عليه والبناء عليه للمستقبل لا هدمه بتغييب الوعي ونشر القبح، والحقيقة لا أفهم حتى الآن لماذا يتم التضحية بسهوله بكل ما هو تراثي جميل، سواء في الفنون والثقافة والعلوم أو حتى في المباني التراثية من فلل وقصور، حتي قيل أن مصر فقدت نحو 75% من مبانيها التراثية حتى لو لم تكن جميعها مسجلة كأثر يجب الحفاظ عليه، مثل المنارة الأندلسية بالإسكندرية التي شيدها الفنان محمد شاكر وهدمت من أجل إقامة كوبري ومحافظة الاسكندرية بعدها أكد أن المبني غير أثري، ثم كنيسة البازيليك بمصر الجديدة التي يدور الحديث حول هدمها لبناء كوبري علوي، ومن قبلهما مقابر المماليك لإقامة كوبري الفردوس، ثم قصر البارون امبان الذي أنشأه المهندس المعماري الفرنسي الكساندر مارسيل عام 1911وتم ترميمه مؤخرًا بنحو 175 مليون جنيه، وبعد افتتاحه رسميًا للجمهور تظهر عيوب ونشع للمياه في الحوائط وجار معالجة الأمر.

منظمة اليونسكو في بداية الستينات قامت بنزع أحجار معبدي أبو سمبل حجرًا بعد حجر لإنقاذهما من الغرق من خلال حملة تبرعات دولية وأعيد تركيبها في الموقع الحالي، والأسبوع الماضي الذي حلت فيه ذكري الست ثومه أرسلت اليونسكو مندوبا قابل رئيس الوزراء وهناك أقوال عن تهديدات برفع اسم مصر من قائمة التراث العالمي إلي قائمة التراث المهدد لان مصر موقعة علي جميع اتفاقات اليونسكو للحفاظ علي التراث. الحناجر الذهبية لا تقل قيمتها عن الأحجار الأثرية فكلاهما عناصر قوتنا الناعمة المهددة بالأخطار.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة