"بنات أفكاري"
"خلى البساط أحمدى".. "خذ الأمور ببساطة".. "بمنتهى البساطة".. أمثلة وتعبيرات مصرية صميمة، نرددها فى مواقف حياتنا من قديم الأزل، بهدف التسهيل والوضوح والاختصار فى الموضوعات، والتخلى عن كل ما هو معقد أو مقلق فى حديثنا.
فى الستينات قامت الشحرورة بغناء "ع البساطة البساطة، ويا عيني ع البساطة، ما بدي قصور ولا جاه بدي عاشق إهواه، يغديني جبنة وزيتونة ويعشيني باطاطا، يغمر قلبي بحب كبير ويعمرلي كوخ صغير"، تلك الأغنية التى اعترض عليها الفنان فريد الأطرش والفنان فريد شوقى فى إدراجها فى فيلم أهلاً بالحب 1967، ورفضها علية القوم بسبب كلماتها البسيطة، بينما عشقها البسطاء لعذوبتها ومشاعرها المليئة الرضا.
حديثاً.. ظهر مصطلح غربى أُطلق عليه الـ"مينى ماليزم"، أى فن البساطة أو تبسيط الحياة، ظهر فى البداية لوصف أحد حركات الفنون التى تميزت بالتجريد والبساطة، واستخدم بشكل عصرى تلك الأيام كموضة فى العمارة والديكورات الداخلية، وانتشر استخدامه فى الحياة الاجتماعية فى السنوات الأخيرة بعد تفشى نمط الحياة الاستهلاكية بين الشعب الأمريكي، خاصةً ثم تم تصدير وشيوع هذا المفهوم الـغربى إلى باقى شعوب العالم فى العلاقات الشخصية والعمل.
تصَدى الكاتبان "رايان نيكوديموس، وجوشوا فيلرز" لتوصيل مفهوم تبسيط الحياة فى كتاب "مينى ماليزم.. المعنى الحقيقى للحياة"، لمساعدة الأشخاص فى عيش الحياة بمزيد من الرفاهية والإنجاز والسعادة من خلال التخلص من كل الأشياء غير المهمة وشراء الأساسيات سواء كانت مادية أو حتى أشخاص مقلقة، وكان تأثيرهما كبيراً ووصل تأثيرهما بالفكرة إلى حوالى 20 مليون شخص حول العالم.
فى الحقيقة هذا المفهوم الذى اعتبره الغرب حديثاً واكتشافا، وتغنينا به فى القرن الماضى، وتناقلنا أمثاله من الأسلاف، يمكن تعريفه من خلال قول رسولنا الكريم صل الله عليه وسلم: "ما قل وكفى خير مما كثر وألهى"، فالكثرة مُلهية والوقوع فى حب الكثرة مهلك للمال والطاقة والوقت، فالبعض يسعى طوال حياته للتملك كسبيل ومصدر للسعادة حتى وإن كان لديه ما يكفيه، ولكنه قد يدرك متأخراً أن الماديات وسيلة وليست هدفا، فالسعادة هى القيمة التى تضيفها الأشياء فى حياتنا؛ لأن معظم الأشياء بعد حد الكفاية لا تضيف الكثير من القيمة.
فالقليل الكاف من أساس المنزل أفضل من الكثرة التى تضيق المكان وتحتاج جهدا أكبر فى التنظيم والتنظيف وتوفير المال فى الشراء، والتقليل فى العلاقات الشخصية أفضل من كثرة علاقات تستهلك النفسية، والقليل من الملابس أفضل من كثرة لا تُستخدم وتُحيَر فى الاختيار، عدد قليل من القنوات الفضائية والمواقع وصفحات السوشيال ميديا أفضل من كثرة تضيع الوقت وتصعب الفرصة فى تطبيق ما نتعلمه منها.
الهدف من التبسيط ليس التقشف وحرمان النفس من ملذات الحياة، بل البساطة تجعلنا نستمتع بالحياة بلا ضغط نفسى وعصبى، وتجعلنا أكثر هدوءاً وأقل ازدحاماً وتخفف مشاكل الحياة، وتساعدنا على رفع مستوى المعيشة بالادخار، ليس بشراء الأشياء الرخيصة بل بشراء القليل الغالى الأكثر قيمة من شراء الكثير الرخيص التافه.
الـ"مينى ماليزم" دعوة للاعتدال كأسلوب حياة، يساعدنا على الإنجاز ووضوح الرؤية بالتخلص من غير الضروريات فى حياتنا والتركيز فى اختيارنا للمسارت الصحيحة، بعيداً عن السعى والتفكير فى امتلاك كل شيء يسبب لنا القلق والتوتر والضجيج.