أبيض وأسود
ما بين المَدخل الشَّرقي للقاهرة الذي يبدأ بكُوبري المَطار مرورًا بصلاح سالم وحتي مَيدان العَباسية، وبين كُورنيش النيل الذي يمثل رِئة العَاصمة، لا نملك سوي الإشادة بما يجري من تطوير وتجميل وإنارة.. مشهد جديد وجميل يواجه القادمين إلي القاهرة مثل "الكارت بوستار"، البطاقة البريدية التذكارية، التي كان يشتريها السائح لمشاهد القاهرة الجميلة زمان عائدًا لبلده: فائض من الخضرة الجديدة وأحواض زهور ملونة وباقات نباتات زينة وشبكة ري حديثة تأخذ العين وإنارة ملهمة بالمساء. الأمر مختلف حول شريان الحياة الذي ينبض في قلب القاهرة فكورنيش النيل استعاد عافيته: الأشجار والنخيل مقلمة والخضرة وافرة، وتكتمل اللوحة بالمكانس الآلية الحديثة الضخمة التي تجول في شوارع القاهرة - ليل نهار- لتزيل الأتربة.. ما يحدث مختلف يعيد للعاصمة جمالها الأثير وبهاءها الذي افتقدناه ونظافتها التي غابت عنا، وهو حصاد 190 يومًا فقط من العمل الجاد لرئيس هيئة تجميل ونظافة القاهرة اللواء إيهاب الشرشابي.
نظافة العاصمة كانت الملف المزمن لكل الحكومات السابقة، ومثلت تحدي لكل المحافظين الذين أداروا القاهرة، ولطالما أصابت البرلمان بالصداع، مزيج من الغضب والخجل كان يلف حديث المسئولين عند الكلام عن تجمعات الزبالة في أحياء راقية، ولوقت قريب جدًا، خاصة مع كورونا والتي راح ضحيتها الشهيد اللواء عادل أبو الحديد رئيس هيئة نظافة القاهرة السابق، منذ ثمانية أشهر.. كان الأمر يشبه المرض المزمن والمستعصي الذي لا فكاك منه، فماذا حدث ليتحول القبح إلي شئ من الجمال وسط وباء عالمي يضرب مصر كما يضرب بقية العالم؟!
الحقيقة الأولي أن مجلس النواب من خلال لجنة الإدارة المحلية برئاسة النائب القدير أحمد السجيني بذل خلال الأعوام الخمسة الماضية ملف منظومة النظافة بمصر بمنتهي الشجاعة، توغل في الأزمة بشكل علمي ووضع كافة المسئولين المعنيين أمام مسئولياتهم، بدا الأمر في البداية كأنها حرب بين البرلمان وطواحين الهواء، لكن جدية الطرح والإلحاح وجلسات الاستماع والمناقشة التي لم تهمد أشعلت الإرادة في جسد الحكومة، وتاليًا تبني واشراف الرئيس السيسي علي الملف جعل حلم الحصول علي بيئة صحية وسليمة ونظيفة أمرًا وواقعًا، توج بموافقة البرلمان في أغسطس الماضي علي أول قانون لتنظيم وإدارة المخلفات في مصر وهو القانون رقم 202 لسنة 2020 بشأن تنظيم إدارة المخلفات.
والحقيقة الثانية أن تعامل الدولة مع ملف النظافة يدعو للفخر فللمرة الأولي نحن أمام منظومة كاملة وواعدة حيث تقوم وزارة البيئة بالدور التخطيطي والتنظيمي والرقابي بالمنظومة الجديدة للإدارة المتكاملة للمخلفات ووزارة التنمية المحلية تقوم بتنفيذ البنية التحتية بالمحافظات ووزارة الدولة للانتاج الحربى بإنشاء ورفع كفاءة مصانع تدوير المخلفات وكذلك الهيئة العربية للتصنيع والتى تختص بإنشاء المدافن الصحية والمحطات الوسيطة على مستوى الجمهورية، وهذا الأمر يجعلنا أمام فريق عمل يتحرك بلا كلل لصناعة واقع وبيئة جديدة لمصر بلا قمامة وبلا مخلفات.
والحقيقة الثالثة أن فكرة وضع الرجل المناسب في المكان المناسب بدأت تؤتي ثمارها والدليل محافظة القاهرة، فضمن المنظومة المتكاملة للدولة وجدية البرلمان جاء تولي اللواء خالد عبد العال لمحافظة القاهرة كتحدي لحل أزمات العاصمة، والرجل بتاريخه تعامل مع كل ملفات ومشاكل المواطنين بجدية من الإسكان إلي المرور، ومن التعليم إلي النظافة، دينامو لا ينام.. وقبل ثمانية أشهر وبينما البرلمان يستخدم كل أدواته لإنجاز ملف النظافة والدولة تتأهب للمنظومة الجديدة رغم أزمة كورونا استشهد ذراع المحافظ في ملف النظافة وهو اللواء عادل ابو الحديد الذي أصيب بكورونا، فلم يلجأ للحلول السريعة برجل أو رئيس جديد والسلام لهيئة نظافة القاهرة وإنما استدعي اللواء ايهاب الشرشابي للمهمة، وكان تكليفه بجملة مقتضبة :"عاوزين ننضف الشوارع".. الشرشابي القادم من مدرسة الإنضباط والوطنية المصرية فهم الجملة أنها أمرًا ولم ينم خلال 190 يومًا لتنفيذ المهمة التي بدأت تغير شكل القاهرة.
الحقيقة الرابعة كل الكلام السابق لا يعني أننا حققنا النجاح الكامل بملف النظافة في القاهرة، لا يعني ان الأمور وردية، إنما يعني أننا في الطريق ولا يزال أمامنا الكثير.. يعني أننا أمام واقع مختلف سيؤدي بنا إلي ما نحلم به من عاصمة جميلة تعود إلي مكانتها الرائدة بين عواصم العالم قبل نصف قرن حيث كانت أجمل وأنظف من باريس، فقبل شهرين كنا نتحدث عن تدهور نظافة الشوارع وتجمعات القمامة لكننا الآن نتحدث عن جودة النظافة وحل التسربات، ونلمس تحسنًا كبيرًا بالمنظومة.
طريق صلاح سالم بمشهده الجديد جزء من مشروع انتهي نصف تقريبًا 4 كيلو متر من 8 كيلو مترات، وخلال شهرين ستكتمل الملحمة، وفي الطريق بشائر لزراعة النباتات حول الهيكل الخرسانى للكبارى الجديدة التى تم إنشاؤها بشرق القاهرة .. كما يجري العمل علي رفع كفاءة الحدائق الموجودة بين العمارات باعتبارها متنفسا للمواطنين. وما يحسب للشرشابي مع محافظ القاهرة وقوفهم علي خطة ينفذونها بإرادة حديدية تشمل تحديث معدات نظافة الشوارع، وقطعا فيها شوطًا كبيرا حيث تم تحديث معدات بمئة مليون جنيه خلال الشهر الجاي، بالإضافة إلي تزويد وزارة الإنتاج الحربى الهيئة مؤخرا بـ 18 مكنسة حديثة التى يصل ثمن الواحدة الى 1.5 مليون جنيه تقريبا، وفي الطريق 32 مكنسة جديدة ليصبح لدي الهيئة 60 مكنسة آلية ستحدث نقلة نوعية فى شوارع القاهرة وستجعلنا نتغلب على النقص الكبير الذى نواجهه فى العاملين فى تنطيف الشوارع. كما تتضمن الخطة الارتقاء بمستوى العمالة التى يوردها المقاولون.
والأهم في خطتهما نجاحهما في ضبط منظومة متعهدى الجمع السكنى الذي كان يمثل صداعًا لدي المواطن والمسئولين، فهناك 382 منطقة نظافة بالقاهرة ولكل منطقة متعهد سكنى مسئول عنها، وتقاعس أي منهم كان يفجر الشكاوي بين المواطنين، ونجح الشرشابي في تحويل العلاقة بين الهيئة والمتعهد إلي شراكة لتقديم خدمة أفضل، ونجح في ذلك بالانضباط والمراقبة والشدة، فكل المتعهدين غير الملتزمين ألغي تعاقداتهم، واطلق العنان لكل متعهد في الجمع بالطريقة المناسبة للحي الذي يعمل به، فبدأنا نري مبادرات رائعة من المتعهدين فعاد حي البساتين إلي رونقه، وتجمل حي مدينة نصر والمقطم بمبادرة جمعة الحوت رئيس رابطة المتعهدين لجمع القمامة التي تناولها الإعلام تحت مسمي "القمامة ديلفري"، حيث يتصل المواطن برقم فتذهب له سيارة لأخذ القمامة من أمام المنزل بالإضافة إلي توزيع صناديق قمامة مجانية، واختلف حال حي المرج من العشوائية إلي الجمع المنتظم.
اللافت فيما يحدث بالقاهرة من نظافة وتجميل أن رئيس الهيئة عمل بالميزانية السابقة ولم يطلب زيادة مالية، بل أنه أحدث وفرًا في صيانة المعدات، وبدأ خطة طموحة في انتاج الشتلات والزهور بنسبة 70% وبالمقاييس العالمية تمهيدًا للإكتفاء الذاتي، وهو ما سيوفر للهيئة دخلًا جديدًا، والأهم أنه يتعامل في ظل أزمة كورونا بشدة في ملف المخلفات الطبية ويطارد المقصرين دون هوادة، ولا يسمح بتسريبات فيها.
يستحق محافظ القاهرة والشرشابي أن نشد علي يديهما وأن نقدم لهما التحية المستحقة.. وننتظر منهما الكثير في نظافة القاهرة، ونحن نؤمن بأن المهمة صعبة وتحتاج الي دعم وتكاتف الجميع فالقاهرة بمفردها تنتج يوميًا 18 ألف طن قمامة ولو حدث تقاعس يومًا واحدًا ستتحول الحياة إلي جحيم، واحوج ما نحتاجه الآن تدخل تشريعي يسمح للحكومة بتحديد وقت يومي يخرج فيه المواطنين القمامة فالواقع الآن أن المواطن يخرجها علي مدار الساعة خلال اليوم وهو ما يستدعي عمل الهيئة بكامل طاقتها علي مدي 24 ساعة، بينما لو تم تحديد ساعتين صباحًا وساعتين مساءً سنضمن قوة العمل وتركيزه وسنسمح لجيش النظافة البرتقالي بإنجاز أعماله الأخري التي تشمل التجميل ورفع كفاءة الحدائق وإنارة 22 ألف عمود إنارة بالقاهرة.