بين مصالحة خليجية-خليجية غير محددة الملامح، ونتائج غير مرجوة منها حتى الان تظل هناك بعض النقاط التي تحتاج الي شرح وتفسير ممن يمتلكون نواصي المعرفة وخفايا السياسة..
أبرز تلك النقاط، تتعلق بالملف الإيراني وملف دعم الجماعات الإرهابية، وأخيرا الدور التركي في الخليج، الذي يعتمد على القانون التاسع في نظرية "مورفي" الذي يقول " لو لم يسر الأمر حسب الخطة، فلا توجد خطة أصلاً".. وباتت انقرة وكأنها قررت في زمرة الاحداث وتداعياتها المتسارعة ان تصبح شرطي المنطقة بحثا عن موطئ قدم لها بعد فشلها في شرق المتوسط وليبيا بسبب الخطوط الحمراء التي وضعها لها الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وتسعى أنقرة لتمديد مهمة قواتها البحرية في خليج عدن وبحر العرب والمياه الإقليمية للصومال لمدة عام إضافي في سياق الحرص على إيجاد موطئ قدم في منافذ بحرية لها أهمية سياسية في سياقات استراتيجيات التمدد والنفوذ غير المعلنة وأيضا في سياق الترويج لنفسها كقوة إقليمية قادرة من وجهة نظرها على الاضطلاع بمهام بحرية من حماية السفن التجارية إلى مكافحة عمليات القرصنة، فيما يأتي المسعى بينما لم تنهى بعد أزمة السفينة 'موزارت' التي اختطفها قراصنة يوم السبت الماضي.
ووفق ما ذكرت وكالة الأناضول للأنباء، ان الرئاسة التركية أرسلت بالفعل مذكرة إلى البرلمان لتمديد مهمة قواتها البحرية لعام إضافي في المناطق البحرية سالفة الذكر وذلك اعتبارا من 10 فبراير، وبحسب المصدر ذاته، لفتت المذكرة التي تلقتها رئاسة البرلمان إلى أن قوات البحرية التركية العاملة في المناطق المذكورة، كما أشارت إلى مشاركة تلك القوات في عمليات المجتمع الدولي المشتركة ضد أعمال القرصنة والسطو المسلح والإرهاب في البحار.
لا يبدو أن تركيا ستتوقف عن أجندتها المثيرة للقلق في اليمن والقرن الأفريقي بالرغم من خطاب التهدئة مع السعودية ورغبة أنقرة في الاستفادة من المصالحة الخليجية، وهذا ما كشف عنه قرار الرئاسة التركية تمديد الوجود العسكري التركي في المنطقة.
ولكن أنقرة تعتمد أسلوبين متناقضين في العلاقة مع السعودية، الأول يقوم على إظهار حسن النوايا وتجاوز تداعيات أزمة جمال خاشقجي، والثاني يعتمد على الاستمرار في فرض الأمر الواقع.
المراقبون اعتبروا أن قرار تمديد مهمة القوات في تلك المناطق هو تذكير للسعودية بأن الترتيبات الجارية للمصالحة أو تهدئة التوتر معها لا تعني أن تركيا تخلت عن دورها في منطقة القرن الأفريقي وأن ما خسرته في السودان بعد استبعادها من قاعدة سواكن، سيتم تعويضه في اليمن والصومال.
وسبق لتركيا أن أعلنت دعمها للمصالحة الخليجية، وقالت إن هذه المصالحة ستوفر لها فرصة للعودة إلى المنطقة من الباب الواسع، إلا أنها لم تقم بأي خطوات لإظهار حسن النوايا سياسيا وإعلاميا، وخاصة على أرض الواقع من خلال شبكة علاقاتها في اليمن أو القرن الأفريقي.
وبجلاء لا يخفي على أحد فآن انقرة تسعي الي إعادة ترسيم سياستها مع السعودية الطرف الأهم والأقوى خليجيا، من خلال استمرار دعم الجماعات الإرهابية، وتوفيق أوضاعها الاستخباراتية في اليمن التي تمثل ازمة حقيقية للسياسة السعودية الساعية الي الخروج من هذا المأزق بأقل الاضرار.
واللافت ان تركيا تسعي لتولي نفس ملفات الفوضى التي كانت تتولاها قطر واضطرت الي الاستغناء عنها تحت ضغوط المصالحة الخليجية.. وهو ما تشير اليه تقارير إعلامية من إن تركيا تدعم استمرار الفوضى في اليمن حتى تنجح في الحصول على موقع استراتيجي لها في المنطقة، وأنها تقف وراء سيطرة الإخوان على محافظة شبوة الغنية بالنفط، والتي تطل على ساحل بحر العرب، وأنها قد ساعدت على إنشاء مشروع ميناء قنا الذي سيعطيها حرية أكبر في تنفيذ خططها في اليمن أو في المنطقة.
وتبعا لتلك الرؤية، فان تركيا سوف تستخدم نفس تلك الملفات للتواجد خليجيا، او على الأقل لتسليمها الي قطر مرة اخري في حال فشل المصالحة.
-------
أستاذ بجامعة حلوان