باتت القاهرة ليلة السادس والعشرين من يناير عام 1952، على مخاض غضب بعد الأخبار التى وردت من الإسماعيلية لتستيقظ على حراك الغضب من جانب المصريين بشكل عام ومن رجال البوليس بشكل خاص الذين تظاهروا فى شوارع القاهرة منذ الصباح الباكر وانضم إليهم طلاب الجامعة حتى وصلوا إلى مقر مجلس الوزراء مطالبين حكومة النحاس بتوفير السلاح لهم لمواجهة الاحتلال والمطالبة بطرد السفير البريطانى، والقصاص للشهداء فخرج إليهم وزير الشئون الاجتماعية عبدالفتاح حسن مؤكدًا أن الحكومة سوف تتخذ الإجراءات الكفيلة بالرد على مذبحة الإسماعيلية.
على الجانب الآخر كانت شوارع القاهرة تشهد حالة من الحراك، بينما الملك فاروق يستعد لاستقبال قيادات الجيش والشرطة فى المأدبة الرابعة احتفالًا بقدوم ولى عهده الأمير أحمد فؤاد الذى طال انتظاره لأكثر من 15 عامًا بعد أن أنجبت له الملكة فريدة ثلاث أميرات، ومنذ يوم 16 يناير والملك يعيش فى حالة من الفرح والنشوة، ربما نسى معها أمور الدولة وشئون الحكم، فقد أصدر جلالته أمرًا ملكيًا بإطعام 100 ألف فقير من عموم المصريين وتوزيع مبلغ 10 جنيهات على كل مولود فى ذلك اليوم إلى جانب تعطيل العمل بالمصالح الحكومية والمدارس والجامعات، كما أقام الملك ثلاث ولائم سابقة بدأت بوليمة العائلة الملكية يوم 19 يناير والثانية لرجال السياسة والبرلمان يوم 21 ثم وليمة رجال الدين يوم 23 وكانت الرابعة يوم 26 لجال الجيش والشرطة.
وعندما انتصف نهار السبت 26 يناير بدأت حالة من الكر والفر وعمليات التحريض حتى كانت الساعة تشير الى الثانية عشرة والنصف بعد الظهر لتبدأ أعمال التخريب والحرق والسلب والنهب للنشآت العامة والخاصة وكانت البداية حرق كازينو بديعة وسينما ريفولى بشارع عماد الدين، ثم تحطيم سيارات الإطفاء وإتلاف خراطيم المياه ثم محطة الكهرباء وقسمى الأزبكية وعابدين، وخلال ساعات قليلة وصل عدد المنشآت المحترقة إلى 700 منشأة منها 300 محل تجارى و117 مكتبًا وشقة سكنية و73 مقهىً ومطعمًا و93 حانة و40 دار سينما و 10 متاجر للسلاح تم سرقتها و 16 ناديا رياضيا واجتماعيا و 8 معارض للسيارات و 13 فندقا على راسها شبرد ومتروبوليتان وفيكتوريا لتصاب القاهرة بحالة من الفوضى ويصاب اهلها بالذعر والهلع من يوم لم يشاهدوه فى حياتهم كهذا اليوم العصيب ووقع ضحية لهذا الحريق 26 قتيلًا وأكثر من 550 مصابًا.
كما بلغت خسائر الحريق 70 مليون جنيها وهو ما يمثل 17 بالمائة من موازنة الدوله المصرية فى ذلك الوقت لقد كان حريق القاهرة جريمة تضارع حرق روما على أيدي نيرون إنها جريمة مكتملة الاركان تم التخطيط لها منذ وقت طويل وتم تنفيذها بكل دقه بواسطة أشخاص مدربين على هذا العمل ورغم مرور 69 عامًا على هذه الجريمة البشعة إلا أن الفاعل الحقيقى مازال مجهولًا ونحن هنا اليوم لنقلب صفحات التاريخ ونبحث فى أوراق من عاصروا الحدث وروايات شهود العيان من مختلف الاجناس والاطياف لنحاول أن نصل إلى الحقيقة..
ومن خلال مطالعة أوراق د. محمد حسين هيكل، ود. عبدالعظيم رمضان، ووثائق قصر عابدين وصفحات مجهولة لأنور السادات والمؤرخ ابراهيم الدسوقى أباظه ربما تتكشف بعض الحقائق لفك طلاسم والغاز هذا العمل الإجرامى فى حق مصر وشعبها والذى سنقوم بطرحه فى شكل أسئلة:
أولها: هل كان الملك فاروق ضالعًا فى هذا الحريق؟ والإجابة إن كل الشواهد تؤكد غياب الملك عن إدارة شئون الدولة لأكثر من 10 أيام سابقة احتفالا بقدوم ولى العهد.
ثانيها: هل كان لحكومة الوفد دور فى هذا الحريق؟ والإجابة إن حكومة الوفد كانت تعيش حالة من الوفاق الشعبى وأن أسهمها أرتفعت بعد قرار إلغاء المعاهدة.
ثالثها: هل هناك مايدل على تورط أو اشتراك رجال الجيش والشرطة فى هذا العمل؟ والإجابة من خلال الوثائق تؤكد أنه كانت هناك غضبة من أفراد البوليس وتضامن معهم رجال الجيش، وأن حدودهم توقفت عند التظاهر حتى مقر مجلس الوزراء بشارع قصر العينى وان عقيدة رجال الشرطة والجيش هى حماية الأرواح والممتلكات، كما أن هذا العمل لايمكن أن يتم إلا بترتيب مسبق وبناء على أوامر من قياداتهم التى كانت موجودة فى حضرة الملك بقصر عابدين.
رابعها: هل كان للإنجليز دور فى هذا الحريق؟ وللإجابة هناك أقوال كثيرة نورد بعضا منها، وهى:
هل أقدمت بريطانيا على الضلوع فى هذا العمل الجبان لإعادة إحتلال القاهرة مرة آخرى ربما يكون الأمر كذلك وربما أرادت قوات الإحتلال طمس جريمتها بالأمس فى الإسماعيلية لكن الإنجليز ليس لهم تواجد فى القاهرة سوى أعضاء السفارة، وبعض التجار من أصحاب المحلات والمنشآت التجارية، وبعض من أعضاء الجالية، وهم مجرد مواطنون وتشير بعض الدلائل إلى إمكانية إستعانة الإنجليز ببعض العملاء والخونة للقيام بمثل هذا العمل الجبان.
خامسها: هل كان لجماعة الإخوان دور خفي فى هذا الحريق، والإجابة إن كل الشواهد والوثائق تشير إلى تحفز الجماعة للوثوب على السلطة، والتخلص من الملك وحكومة الوفد، وبحسب ماجاء فى كتاب الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ ذكر القيادى الإخوانى محمود عبدالحليم عضو الهيئه التأسيسية، ورفيق حسن البنا مؤسس الجماعة أن الهضيبى المرشد الثانى بعد البنا قد فوض يوسف طلعت عضو الجماعة للتفاوض مع أحمد حسين زعيم مصر الفتاة، وهو حزب إسلامى يتبع منهج الجماعة بضرورة إقامة الخلافة، وأن الديمقراطية نوع من الكفر يجب عدم تطبيقها فى المجتمعات الإسلامية، وهو نفس فكر البنا والجماعة، وكان التفاوض على ضرورة القيام بعمل ثورى والإنقلاب على نظام الحكم القائم من خلال خطة تقوم على حرق القاهرة على أن تبدأ بحرق قسمى عابدين والأزبكيه ثم محلات وسط البلد وسنترالى العتبة ورمسيس وشركة الكهرباء وهو نفس مخطط السيارة الجيب التى تم ضبطها عقب اغتيال رئيس الوزراء النقراشى باشا، على أن تقوم بتنفيذ هذه الخطة مجموعات مدربة، وهذا ما أكدته الوثائق ورواه شهود العيان، أن المجموعات التى قامت بتنفيذ هذا العمل كانت على مستوى عالى من التدريب وأن هذا العمل لم يكن عشوائيًا بل تم تنفيذه حسب خطة موضوعه مسبقا وتم تنفيذه بسرعة شديدة ودقة متناهية، حيث تم تجهيز عدد 30 سيارة لحمل المعدات والأفراد للانتشار سريعًا فى أنحاء العاصمة، وأنهم كانوا يحملون مواقد اسيتيلين لصهر المعادن بالإضافة مواد حارقة، وعلب بنزين ولاعات من إنتاج شركة شل ومسدسات ومفرقعات، كما شاهد عموم المصريين قيام الشيخ محمد فرغلى عضو مكتب الإرشاد ومعه بعض من أفراد الجماعة بتحريض المتظاهرين على إحراق المنشآت والملاهى ودور السينما والمطاعم.
وكان من شهود العيان على حريق القاهرة الصحفى الفرنسى جيان ميرلى مراسل صحيفة لوفيجارو، والذى دون شهادته فى تقريره من القاهرة، والمنشور بالصحيفة أول فبراير 1952، حيث بدأ التقرير بقوله شاهدت، وتابعت أحداث حريق القاهرة فى 26 يناير عام 1952 م وأجزم بأن الإخوان كجماعة تستغل الدين فى إلهاب شعور الناس ومعهم الشباب الإشتراكيون، وبدعم أنجلو أمريكى هم الأطراف الذين إلتقت مصالحهم عند نقطة إلتقاء، وهى التخلص من الملك وحكومة الوفد بضربة واحدة، حتى يحدث الفراغ السياسى وبالتالى يسهل القفز إلى السلطة حتى ولو كان بمساعدة أطراف خارجية.
ولك عزيزى القارى أن تُعمل العقل، وتبحث فى التاريخ لتعرف أكثر عن حريق القاهرة المحروسة، والتى ستظل حتى قيام الساعة محروسة فى حماية رب العالمين.