برقيات
في فيلم "محامي خُلع" إنتاج عام 2002 أبدع وحيد حامد رحمه الله في مشهد استقبال أهل الصعيد لسيدة الأعمال داليا البحيري عروس المستقبل لابنهم المحامي الشهير، وهي ترتدي ملابس لا تناسب أهل الصعيد، حيث بادر الفنان حسن حسني رحمه الله وهو يقوم بدور العمدة المحافظ علي التقاليد والأعراف، بخلع عباءته لسترها أمام أهل البلد وبطريقة كوميدية، كان مذيع القرية الذي قام بدوره صفي الدين محمود يقدم وصفًا تفصيليًا للحدث حتى قال عبارته الشهيرة: "وسقطت العباءة وظهر الحق".
ولا أدري هل هي مصادفة أن تسقط العباءة من وقت لآخر عن كثير من الأحداث أو الأشخاص لنتابع وننشغل، وربما نندهش أو حتى نُصدم؛ ليذهب حدث ويأتي آخر.. وهكذا دواليك، من حلوي سيدات نادي الجزيرة، إلي زواج التجربة الذي أثاره محامٍ يريد الشهرة فيستثير حفيظة المجتمع كله حتي يسارع الأزهر الشريف بالتدخل ويصدر فتوى بإبطال عقود الزواج محددة المدة أو تلك التي تشترط عدم وقوع انفصال بين الزوجين لمدة معينة.. قضايا ينقسم على إثرها المجتمع ما بين مؤيد ومعارض أو متحفظ ويحتدم النقاش حول الحريات الشخصية وحدودها الأخلاقية والدينية والتربوية واللائق وغير اللائق، والفروق بين الطبقات وبخاصة المخملية التي تعيش القصور والمنتجعات والتي تعيش نمط حياة مختلفًا مناسبًا لها وغير ذلك لغيرها، لكن كل ما حدث هو سقوط العباءة وظهور الحق كما حدث في الفيلم الشهير، بتسريب جزء من الحياة التي ربما لا نعلم عنها شيئًا، وبالمناسبة فإنها محمية بنص الدستور ويُجرم من يتلصص عليها.
ثم ننتقل إلي قاع المجتمع حيث الأب البلطجي المتوحش الذي يجرد طفلته الرضيعة من ملابسها كاملة في هذا البرد القارس محاولًا حرقها بالبنزين انتقاما من الأم، وغيرها من الحوادث الشاذة التي ساهمت التكنولوجيا ووسائل التواصل الحديثة في سقوط العباءة عنها لتكشف عورات المجتمع من قمته إلي قاعه، من قضايا الطبقة المخملية إلي الفقر والجهل والمرض، حتى ذهب بعض الخبثاء إلى أن توقيت كشف مثل تلك الحوادث وشغل الرأي العام بها مقصود في ذاته حتى ننشغل عن التفكير فيما هو أهم مثل قضايا التعليم والصحة أو تصفية الشركات الكبرى أو غلاء الأسعار وغيرها من القضايا الحياتية اليومية، التي ربما كانت تلك الحوادث الغريبة نتيجة منطقية لها.
في الوقت الذي ينشغل العامة وكبار كتاب أعمدة الرأي بمتابعة وتحليل سير التحقيقات مع سيدات النادي الشهير وحلواهم المقززة، كان وزير التربية والتعليم يتحدث تحت قبة البرلمان عن نظام تعليمي جديد، مصرحًا بأنه لا يمكن إصلاح القديم ولا يمكن بناء المطلوب من عدد المدارس سنويا نتيجة الزيادة السكانية، وأن امتحان الثانوية العامة سيعتمد بالكامل علي النظام الإلكتروني، حيث سيقوم الحاسب الآلي بإعداد الأسئلة خلال خمس ثوانٍ، وسيكون هناك اختبار مختلف لكل طالب. وأن قواعد الملكية الفكرية تكفل لوزارة التربية والتعليم التي تملك بنك أسئلة لا مثيل له أن تستثمره وتبيع الأسئلة للدول الأخرى. قال الوزير لنواب البرلمان إن القطار الخاص بتطوير التعليم تحرك ووراءه يتحرك قطار التعليم الفني، وإن من سيتخرج من طلاب التعليم الفني في يونيو المقبل سيعمل براتب يبدأ من خمسة آلاف جنيه، وإن تصنيف مصر في المعرفة ارتفع 23 درجة. وكما هي العادة صنف الوزير كل المعترضين علي ما يقال بأنهم أصحاب مصالح مغرضة مخططين لإحداث بلبلة والوزارة تقوم بمجهود جبار.
وبعيدًا عن التصريحات الرسمية تحت القبة أو خارجها، فإن ترتيب مصر في القائمة العالمية للتعليم هو 139، أي أننا في ذيل الأمم، ولا أدري لمن سنبيع ونستثمر بنك الأسئلة، والواقع أنه باستثناء المدارس الدولية فأن تلاميذ التعليم الحكومي والخاص في المنازل قبل جائحة كورونا وبعدها، وأنهم إذا ذهبوا لا يتلقون تعليمًا يليق بمصر وحضارتها ومكانتها، وأن هناك نقصًا في عدد المعلمين نتيجة وقف مسابقات التعيين، وأن المعلم راتبه أقل من القليل لا يتجاوز الثلاثة آلاف جنيه وربما أقل من ذلك، ولكي يحيا هو وأسرته حياة شبه كريمة يعطي دروسًا خصوصية، فتطارده الشرطة مثل المجرمين، وحين قامت الدولة بزيادة دخله حاسبته علي أساسي 2014 ونحن في عام 2021.
إذا لم يكن التعليم والإعلام والثقافة والصحة وباقي الوزارات المعنية مسئولين عما يعانيه المجتمع من قمته إلي قاعه من أمراض تسقط عنها العباءة لتكشف سترها من وقت لآخر، فمن يكون المسئول إذن؟!