رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

"برقيات"

مثلما فعل الفنان عدوي غيث حين قام بدور الحج نادي في فيلم كراكون في الشارع بطولة عادل إمام ويسرا إنتاج عام 1986، حين أتم عملية النصب بأغلى كيس بلح مقابل الشقة الموعودة واستولي على كل مدخراتهما، فعل مثله بطل اليوم والذي يتناقل الآن أهالي مدينة السلام قصته في الحي الشعبي الفقير، لكن مع تعديل بسيط بدلًا من كيس البلح كان الرجل طوال العام، خاصة أشهر الصيف شديدة الحرارة يقوم بعمل مشروب العرقسوس ويوزعه بنفسة علي المارة، وفي المناسبات الدينية المختلفة يقوم بذبح الخراف لتوزيع لحومها علي فقراء الحي وما أكثرهم. ولم يلحظ أحدهم أن هذا الشخص الذي ظهرت عليه علامات الثراء لا عمل له، كما لم يبح أحدهم بالسر الدفين طوال ثماني سنوات مضت أنه يقوم بتوظيف أمواله مع ذلك الشخص مقابل عائد شهري كبير.

كل منهم يعتقد أنه وحده المشارك في ذلك العمل الاستثماري الخاص، حتي استيقظ الجميع على محاولة انتحار ذلك الشاب، وبعد إنقاذه في المستشفى التي نقل لها، فر هاربًا هو وزوجته، ليختفي وتبقي عشرات بل مئات الحكايات والمواجع، وملايين لم يتم حصرها بدقة حتي الآن، لتقع في دائرة الحيرة.. هل تتعاطف معهم وأغلبهم بسطاء أو كانوا يدعون ذلك، أم تقولها ببساطة: يستحقون ما لحق بهم!

حكاية تتكرر من وقت لآخر.. يجتمع النصاب والطماع لتحدث الجريمة التي في النهاية لا يحصل منها الضحية على شيء لأن القانون لا يحمي المغفلين ولأن الأموال حصيلة النصب غالبًا ما تكون قد تبددت أو تبخرت أو سافرت ودخلت في حسابات سرية يصعب الوصول لها.

الجديد هنا أن معظم الضحايا من فقراء الحي ممن كنت تعتقد أنهم يستحقون الصدقة، ولا تتخيل أبدا أن يكون لديهم استثمار سري يتخطى الأصفار الستة، حكايات تتساقط تجتمع فيها كل الدراما المشابهة في تاريخ السينما المصرية، طبعا بعد استبعاد مسلسل "بـ100 وش" الذي عُرض رمضان الماضي، بطولة آسر ياسين ونيلي كريم؛ لأنه كان ينصب علي الأثرياء.

بداية من فيلم "لو كنت غني" أول أفلام الكاتب الكبير أبو السعود الإبياري إنتاج 1942 بطولة بشارة واكيم وإحسان الجزايرلي وعبد الفتاح القصري حين اكتشف محروس الحلاق الفقير أن قريبهم المتسول مات تاركًا ثروة طائلة وكانوا يعدونه وصمة عار في جبين العائلة المكافحة التي كانت تحلم بالثراء، مرورًا بمن باعت شقتها التمليك لتسكن بالإيجار اعتمادًا على العائد الشهري الكبير، وكأننا نشاهد فؤاد المهندس ورجاء الجداوي في فيلم "البيه البواب" إنتاج عام 1987 حين تركا شقتهما المحترمة ليسكنا حجرة فوق السطوح طمعًا في الإيجار المفروش، أو تلك التي أخذت تعويض زوجها المتوفي بحادث ولأنها لا تعمل وتربي أيتامًا أودعته لدي النصاب مقابل العائد القادم من عمل لا تعرف حقيقته.

وطبعا ولا يفوتنا إسماعيل ياسين في فيلم "العتبة الخضراء" إنتاج عام 1959 والذي كان يحكي قصة حقيقية حولها جليل البنداري إلي الفيلم الشهير.

التاريخ الحديث لمصر شهد عددًا غير قليل من حوادث النصب بزعم توظيف الأموال، أشهرها على الإطلاق الريان وأخوته عام 1989، والمرأة الحديدية هدي عبد المنعم 1986والتي جمعت 45 مليون، ثم ظاهرة المستريحين الجدد التي تظهر من آن لآخر في كل محافظات مصر من الصعيد إلى الدلتا، بالألية نفسها.. نصاب وطماع ووسيلة كسب سريع ومبالغ خرافية طائلة وضحايا وخراب بيوت وربما موت أو انتحار.

النصب علي البسطاء في الحي الفقير لم يكلف صاحبه سوي قليل من الفطنة حيث لعب الشاب علي الجهل وقلة الوازع الديني والرغبة في الكسب السريع بلا عمل، توليفة أيديولوجية تحتاج فقط لتفاعلها تدين ظاهري و كيس من العرقسوس أو اللحم الطازج، ووسيلة مهذبة في الإقناع. ربما لو وجد هؤلاء مشروعًا قوميًا يجمع مدخراتهم مثلما حدث في مشروع توسعة قناة السويس الذي جمع أكثر من 64 مليار جنيه في عشرة أيام مقابل عائد مضمون وشهادة محترمة عليها شعار هيئة قناة السويس وتاريخ الإصدار 2015، ربما ما وقعوا في فخ كيس العرقسوس.

المشروعات القومية التي تستقطب المدخرات التي لا يعرف أصحابها وسيلة لتوظيفها كثيرة جدا في التعليم و الصحة والصناعة، فبدلًا من تصفية وبيع أصول صرح صناعي عظيم مثل شركة الحديد والصلب بدعوي تحقيق خسائر، فلمَ لا يطرح للشعب في شكل أسهم؟.. وأثق وقتها ان ما سيتحقق من عوائد يفوق الخيال بدلًا من حالة الصدمة والغضب التي تخيم علي مشاعر كثير من المصريين.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة