الكلم الطيب
مع رجل من أهل الأنصار الذين وقفوا بجوار رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ وهو أحد الستة الذين لقوا رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ أول ما لقيه الأنصار أنه مالك بن التيهان الأنصاري الأوسي وقد شهد العقبة الأولي والثانية وهو أول من بايع الرسول ــ صلي الله عليه وسلم ــ. وقد كان مالك يتمتع بمركز مرموق في قومه إذ كان نقيب بني عبد الأشهل هو أسيد بن الحضير. والأنصار هم الذين جاء ذكرهم في قول الله تعالي: "والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون علي أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شُح نفسه فأولئك هم المفلحون" الآية 9 سورة الحشر. هذا الصحابي الجليل شهد مع رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ غزوة بدر وكذلك غزوة أُحُد وباقي المشاهد كلها مع سيد الخلق صلي الله عليه وسلم وظل بالمدينة المنورة وأطال الله عمره حتي يوم صفين مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد شاءت الأقدار أن يلقي ربه بعدها بوقت قصير.
تتحدث كتب السيرة والتراجم عن مواقفه المشهودة. وقد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال: خرج رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ في ساعة لم يخرج فيها أحد. فأآتاه أبو بكر. فقال: ما جاء بك يا أبا بكر؟ فقال: خرجت للقاء رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ والنظر في وجهه والسلام عليه. لكن لم يلبث أن جاء عمر بن الخطاب. فقال ــ صلي الله عليه وسلم ــ: ما جاء بك يا عمر؟ قال: الجوع يا رسول الله. وهنا قال النبي ــ صلي الله عليه وسلم ــ: قد وجدت بعض ذلك. أمام هذا الموقف توجه الرسول ــ صلي الله عليه وسلم ــ وأصحابه إلي منزل ابن هيثم بن التيهان الأنصاري. وقد كان رجلاً كثير النخل والشاه. ورغم ذلك لم يكن لديه خادم لكن لم يجدوه في مكانه فتوجهوا بسؤال لامرأته فقالوا لها: أين صاحبك؟ فقالت: انطلق ليأتي إلينا بماء عذب. وبعد وقت يسير وصل مالك حاملاً قربة بها ماء وكان يتدافع بها لثقلها وبعد أن وصل وضعها علي الأرض. ثم جاء يلتزم النبي ــ صلي الله عليه وسلم ــ وأصحابه. ومن حصافته وفطنته عرف الأسباب التي جاءت بالرسول ــ صلي الله عليه وسلم ــ مع أصحابه في ذلك الوقت. وعلي الفور انطلق إلي ساحة النخل حيث حديقته الزاخرة بأعداد كبيرة من أشجار النخل خاصة أنها من خصائص العرب في زراعة النخل بكثرة في أراضيهم الخاصة بهم.
حقيقة لم يمض سوي وقت قصير حتي عاد مالك ومعه قنوين البلح. وقام بوضع بساط قام بوضع القنو كما هو يجمع بين الرطب والبلح. وهنا قال له رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ: "فلا تنقيب لنا من رطبه وبسره؟ فقال مالك: يا رسول الله: إني أردت أن تختاروا من رطبه كما تشاءون كل حسب رغبته. متهللاً وفرحاً بهذا اللقاء غير المتوقع من الرسول ــ صلي الله عليه وسلم ــ وأصحابه في هذا الوقت.
وبكل رحابة الصدر من الرسول ــ صلي الله عليه وسلم ــ وأصحابه أقبلوا علي هذا البلح فاختاروا ما شاءوا من رطبه وبسره. كل كما يريد وتهوي نفسه. فأكلوا جميعاً. بنفس طيبة وأخذوا يتناولونه حتي شبعوا وتواري الجوع. وتلك عادة العرب في حب النخل وثماره من رطب وبسر. أكل الجميع وشربوا من الماء الذي أحضره مالك وهنا قال سيد الخلق ــ صلي الله عليه وسلم ــ: "هذا والذي نفسي بيده النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة: ظل بارد. ورطب طيب. وماء بارد" إنها نعم الله علي عباده حيث من عليهم بهذه النعم.. ليتنا نستلهم هذه المواقف الطيبة في حياتنا. وأن نتخذ التدابير لزراعة النخل حول أراضينا الزراعية في مصر التي حباها الله بنهر النيل واستغلال مياهه في زراعة مختلف الأنواع من قمح وذرة وأرز وغير ذلك من الخضر والفواكه. رحمة ونعمة من رب العالمين. وإن تعدوا نعم الله لا تحصوها هدانا الله جميعاً سواء السبيل.