لوجه الله:
فى كل وقت، وخاصة فى عصر الوباء والبلاء لا ينبغى أن تحزن على شىء مادى تفتقده، وعليك أن تبذل كل جهدك وطاقتك لكى تحمى نفسك وأسرتك من البلاء الذى حل بالبشرية كلها ويحصد كل يوم ارواح عشرات الآلاف من البشر حول العالم، ومنهم أثرياء وأصحاب أموال طائلة لم تنفعهم أموالهم، ولم تنقذهم مناصبهم، ولم تغنهم شيئا مما أصابهم من مرض عضال، يصيب البسطاء والفقراء، كما يصيب بعض أصحاب الأموال والمناصب والوجاهة فى كل المجتمعات.
تيقن أن حياتك وحياة أسرتك والمقربين منك هى أغلى ما يمكن أن تحافظ عليه، وأن تسعى دائما إليه، وما سوى ذلك من خسائر مادية، فالرضا بها وحمد الله وشكره عليها أمر واجب عليك، حتى ولو كنت لا تمتلك شيئا، وكنت فى أمس الحاجة لما افتقدته.
كثيرة هى الابتلاءات والمصائب التى تحدث للإنسان فى الدنيا، وموقف الناس منها يختلف من شخص لآخر، فقد يصبر الإنسان ويحتسب ما افتقده عند الله سبحانه وتعالى سواء أكان شخصا أو مالا أو سيارة، والعوض عند الخالق لا يضيع، وقد يجزع الإنسان ويصيبه الكرب والغضب والسخط وسوف يجنى هو وحده ثمرة جزعه وغضبه وسخطه، فالهموم لا تصيب إلا صاحبها، وقد أوصانا ديننا بأن نتحلى بالرضا بقضاء الله وقدره، وأن نصبر على ما افتقدناه، خاصة عندما يكون أمرا ماديا يمكن تعويضه، ونتطلع الى العوض من الله عز وجل.
لقد علمنا ديننا أن الصبر على المصائب دليل على قوة الإيمان، وصدق اليقين، فالذين يصبرون صبرا جميلا على مصائبهم، ويحمدون الله فى السراء والضراء، يحظون بعفو الله ورحمته، وينالهم فضله وكرمه، وتنتظرهم حسن العاقبة في الدنيا والآخرة.. ومن أهم التوجيهات النبوية التي حثنا فيها رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه على التخلق بفضيلة الصبر، والتحلي بهذه الصفة الكريمة قوله صلى الله عليه وسلم: " ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا أوسع من الصبر".. ويوضح لنا رسولنا العظيم صلوات الله وسلامه عليه أن شكر المؤمن لخالقه وصبره على ما يصيبه به من ضر وبأس يجلبان للإنسان الخير والرضا والطمأنينة التي تسعده في حياته الدنيوية والأخروية فقال عليه الصلاة والسلام: "عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له".
إن تعاليم ديننا تغرس فينا فضيلة الرضا بقضاء الله وقدره، ويعلمنا رسولنا الكريم من خلال العديد من توجيهاته النبوية الكريمة أن العقلاء من الناس في كل زمان ومكان هم الذين يوقنون أن مصائب الدنيا هى من قبيل القدر، ولا سبيل أمامنا إلا مقابلة كل ما يحدث لنا بالرضا، واحتمال ما يحدث لنا وحولنا بثبات وشجاعة، والعمل على تخطي العقبات بصبر جميل، وحكمة بالغة، وعقل مستنير، وعزيمة قوية.. ولذلك ينبهنا رسولنا العظيم- صلوات الله وسلامه عليه- إلى أن الرضا بقضاء الله وقدره والصبر على المصائب وتقبلها بصدر رحب يكفر للإنسان كل ذنوبه وخطاياه فيقول: "ما يصيب المسلم من نصب ـ أي تعب ـ ولا وصب ـ أي مرض ـ ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه".
*****
ما أعظم أن يتلقى الإنسان كل ما يحدث له فى الدنيا برضا وصبر وسكينة، وصبر الإنسان على ما يقدره الله له من المصائب التي تصيبه في نفسه أو ولده أو ماله أو غير ذلك من النوازل التي تحزن وتؤلم من علامات ودلالات إيمانه بالقضاء والقدر وهى عقيدة يجب أن تكون راسخة فى نفس كل إنسان سوى .. وقد أخبرنا القرآن الكريم في كثير من آياته أن هذه الحياة عرضة للآلام والمتاعب وأن الناس فيها يجب عليهم أن يوطنوا أنفسهم على تحمل أعبائها بصبر وجلد، وهذه الحقيقة نجدها واضحة فى قوله تعالى: "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنـا إليه راجعون أولـئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولـئك هم المهتدون".. وتأكيدا على قيم الرضا والصبر والاحتساب عند الله أكد العلماء أن الأجر والثواب يتحقق بمجرد حصول المصيبة.. أما الصبر عليها والرضا بها فقدر زائد يمكن أن يثاب عليه زيادة على ثواب المصيبة.
جاء في الحديث الصحيح أنه لما نزلت الآية الكريمة "من يعمل سوءا يجز به" بلغت من المسلمين مبلغا شديدا وأصابت بعضهم بالهلع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم موضحا وموجها ومعلما: "قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها والشوكة يشاكها".. فالإنسان خطاء وخير الخطائين التوابون، وقد جعل الله تعالى الأعمال الصالحة وما يصيب الإنسان من بلاء وشدة كفارات للذنوب حتى ولو لم يكن للإنسان ذنوب فهي ترفع الدرجات.. ولهذا ورد في الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما رأيت أحدا أشد عليه الوجع من رسول الله".
****
لذلك يجب على الإنسان أن يقابل كل بلاء بالرضا بما قدره الله سبحانه وتعالى، ففى كل بلاء نعمة تخفى عن كثير من الناس، وسنة الله تعالى في خلقه أن يبتليهم ببعض المحن؛ ليختبر إيمانهم به، وصدق توكلهم عليه، وإحسان بعضهم لبعض؛ قال تعالىٰ:" ولنبلونكم حتى نعلم المجهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم" والمعنى: نبلوكم لنختبركم ونمتحنكم بالشدائد والمشاق حتى يعلم الله قوة إيمانكم وصبركم وتحملكم للمشاق، فلا يرضى ولا يصمد فى مواجهة الابتلاءات إلا المؤمن القوى راسخ الإيمان ثابت العقيدة.
يجب أن تتقبل كل بلاء برضا وصبر، وأن تتحلي بصفات وآداب تحفظ عليك أخلاقك وإنسانيتك، وتواجه البلاء بالذكر والدعاء، وصدق اللجوء إلى الله، والإلحاح في دعائه، والاقتداء بسيدنا رسول الله ﷺ وصحابته الكرام في تضرعهم واستغاثتهم بربهم في أوقات الشدة والبلاء، والالتزام بالسكينة والطمأنينة، والابتعاد عن كل ما يغضب ويسبب الكرب ويجلب الحزن والأسى، فكل ما يقدره الله لنا خير ينبغى أن نحمد الله ونشكره عليه.
اللهم لك الحمد والشكر على كل ما تقدره لنا