معاً للمستقبل
اليوم نهاية عام صعب وثقيل على البشرية جمعاء بسبب جائحة كورونا .. وخلال ساعات نستقبل عاما جديدا نرجو من الله العلي القدير أن يكون هذا العام نهاية كورونا وهو وحده القادر على ذلك .
الرعب الذي ينتاب البشرية الآن من جراء فيروس كورونا هو الأصعب في تاريخها منذ الحرب العالمية الثانية التي خلفت ملايين القتلى والمصابين في دول المحور والحلفاء ومن دار في فلكهما من الدول المغلوبة على أمرها .. لكن الخسارة الكبرى هي فقدان أرواح بريئة وملايين الإصابات التي لا تتوقف بل زاد الأمر صعوبة وجود تحور في الفيروس في بعض البلدان مما اضطرت إلى غلق حدودها من جديد .. والأمل في اللقاحات المكتشفة وإن كانت كل المؤشرات تقول إن" كورونا "مستمرة معنا لفترة قد تطول أو تقصر حسب قوة مفعول اللقاحات ومدى إلتزام الناس بالإجراءات الوقائية والصحية المنشودة .
تحصين البشر بات أمراً ضرورياً ضد هذا الفيروس الفتاك الذي أودى حتى الآن بحياة أكثر من مليون 760 ألف إنسان حول العالم ، كما أحدث أكثر من 81 مليون إصابة .. بينما تجاوز المتماثلون بالشفاء منه حاجز الـ 46 مليوناً .. وأكثر الأصابات مازالت موجودة في أمريكا والهند والبرازيل وروسيا وفرنسا وانجلترا وإن كانت كل التقارير تؤكد أن الإصابات والوفيات في تزايد ..!!
تداعيات كورونا جعلت العالم كله يعيد حساباته من جديد في كل شيء فرغم ما حققته البشرية من تقدم علمي وتكنولوجي وجدت نفسها في موقف لا تحسد عليه ، عاجزة عن حماية نفسها من فيروس ضعيف يتحور لا يرى بالعين المجردة ، ومازال يحصد الرقاب ويهدد العباد ويعيد لأجواء ما يشبه الحروب العالمية الكبرى والأزمات المالية الكبيرة التي سرعان ما ينتج عنها ركود اقتصادي وتراجع عظيم في شتى المجالات وهو ما حادث بقوة الآن .. استعاد العلم بريقه واتجهت الأبصار إلى صوب العلماء أملاً في تخليصنا من كابوس الفيروس المستجد , وأصبحت "الصحة " في الأولوية الأولى بجانب العلم والتعليم في اهتمامات كل دول العالم .
كورونا كانت ومازالت اختبار حقيقي لدول العالم أجمع , شعوباً وحكومات .. اختبار للقيم والأخلاق والقدرة على إدارة الأزمات والصمود .. اختبار لمدى الوعي والوطنية الصادقة والإيجابية .. اختبار كاشف لمعدن البشر ومدى نقائهم أو تلوثهم .. من سيمد يده من القادرين لاستنقاذ دولته وبني وطنه من براثن فيروس حير العلماء يمكنه إذا تمكن وانتشر بضراوة لا قدر الله أن يهلك ملايين الأرواح , وأن يهوي بأي منظومة صحية مهما يكن تماسكها إلى القاع .
أزمة كورونا رغم شدتها وما تحظى به من اهتمام سياسي وإعلامي غير مسبوق فهي الموضوع الرئيسي لكل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة التي تغيرت اهتماماتها و أولوياتها.. لكنها ليست نهاية العالم , فقد شهدت البشرية على مدى تاريخها الطويل موجات أوبئة وفيروسات قاتلة أخذت دورتها ثم اختفت وصارت تاريخاً مرضياً .. وكما تغيرت أولويات الإعلام والسياسية والاقتصاد فقد تغير العالم قطعاً أثناء "كورونا" وسوف يتغير أيضاً بعدها .. وسوف يتخلق نظام دولي وعائلي جديد تحتل فيه تكنولوجيا الاتصالات والمعرفة والرقمنة مع الصحة والتعليم والبحث العلمي مرتبة الصدارة في كل دولة .
فيروس كورونا كما أخرج أسوأ ما في بعض البشر الذين طفحت سلوكياتهم بقرصنة وأنانية واعتداء على حقوق الغير .. فقد خلق ذلك الفيروس على الجانب الآخر تغيراً جوهرياً في تفكير الشعوب و الحكومات , وخلق أنماطاً واتجاهات إجبارية جديدة من السلوكيات , كالعمل من المنزل والتعليم عن بعد وربما تكون المنافع يوما أكبر من الخسائر .. وربما تكون تلك المحنة منحة يفيق منها البشر على سلوكيات أفضل تقلل الوقت والجهد وتخفف الزحام المروري .. لكن المؤكد أن سلوكيات الكثيرين سوف تتغير جوهرياً نحو مزيد من الأخلاق الحسنة التي هي جوهر الأديان جميعاً , ووقتها سوف يتغير تلقائياً تفكير البشر وسلوكياتهم نحو الأفضل .
إن ما يحتاجه العالم أكثر من أي وقت مضى هو التعاون والتضامن والتنسيق للخروج من هذا الكابوس بأقل الخسائر الممكنة وإذا كان العلماء في أكثر من دولة قد توصلوا إلى لقاحات للوقاية منه لكن ننتظر المزيد من الجهد في المعامل ومراكز البحوث للوصول إلى تشخيص دقيق للمرض وأسبابه وكيفية الوقاية منه واكتشاف أدوية لعلاجه في حال ظهوره مرة أخرى لا قدر الله مستقبلاً ..
والأهم أن تخرج الحكومات والشعوب بدروس مستفادة لمواجهة الأزمات والمفاجآت .. بعد أن كشفت كورونا مدى عجز دول وأنظمة صحية بها ويبقى السؤال هل بمقدور دول العالم وشعوبه التعايش مع فيروس كورونا إذا لم تكن اللقاحات المكتشفة ذات فاعلية حاسمة للقضاء على الفيروس ؟!
خبراء الاقتصاد يرون أن خسائر البشرية إذا استمر توقف الأنشطة المختلفة لمدى أطول ستكون أكثر إلاما من الخسائر المباشرة لكورونا فالكثيرون سوف يفقدون وظائفهم وتتعرض بعض البلدان إلى الإفلاس .. نرجو مع العام الجديد ألا يطول أمد هذا الوباء حتى تتفادى البشرية فاجعة كبرى وتنعم بحياتها الطبيعية من جديد وفي كل الأحوال عليها أن تعيد النظر في أمور كثيرة وأن يكون عنوان القادم من الأيام هو التضامن والتكافل والتراحم والتسامح حتى تستعيد البشرية وجهها الإنساني النبيل .
منظمة الصحة العالمية مازالت متأكدة بأن هذا الفيروس طبيعي المنشأ وليس مخلق , لكن العلماء لا يزالون يواصلون الليل بالنهار للوصول إلى حلول ناجعة للفيروس والقضاء عليه وإنه على العالم أن يهتم بالعلم أكثر مما نحن فيه سواء الطب أو الأحياء والكيمياء وغيرها من العلوم الحيوية , ورغم التقدم العلمي الذي يشهده العالم في مجالات عديدة إلا أن هناك كثيراً من الأشياء لا تزال غير معروفة ولا توجد لها حلول أو علاج ومن بينها بالطبع كورونا .
العودة للأخلاق هي ملاذنا .. هكذا يرى فضيلة الأمام الأكبر د. أحمد الطيب شيخ الأزهر الذي قال إنه لا مخرج لعالمنا من أزماته الحادة بكل ما يموج بها من قسوة وعنف ووحشية إلا بالعودة إلى الأخلاق ولا يرى فضيلة الأمام في فيروس كورونا عقاباً إلهيا كما يرى البعض بينما هو ابتلاء واختبار للعباد , أما البابا توا ضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقصية فقد ذهب إلى أن "كورونا" إنذار من الله ورسالة منه للإنسان بأنه مخلوق ضعيف . ورغم ذلك فقد تجبر وتكبر في عيون نفسه وتناسى الخالق .. وقد جاء هذا الوباء نذيراً لإيقاظ البشر .. الأزمات فرصة للتوبة ومراجعة الأولويات .. وفي النهاية أمره كله أولاً وأخرا في يد الله وحده .
ما قاله البابا توا ضروس لا يختلف كثيراً عما سبق أن قاله عالمنا الراحل دكتور مصطفى محمود بأن الفيروس هو التحدي في زمن الغرور . ذلك أن الإنسان تمرد على قوانين الله ونظمه .
فهذا فيروس يقول لسان حاله " أقدر عليه بقا " وهو مجرد لفت نظر ورحمة من الله حتى يتخلى الإنسان عن غروره وجبروته .
وأخيراً أياً ما تكن تداعيات كورونا والوصول إلى علاج ناجع لها فإنها إما أن تعيد للبشرية صفو إنسانياتها وروح أدميتها .. أو ترمي بها في مهالك وطريق أللا عودة .. وقد رأينا بأعيننا كيف لأضعف مخلوقات الله الذي هو جند من جنوده أن يصيب العالم كله بالشلل والفزع لا فرق فيه بين غني أو فقير .. وهو في جوهره منحه لو رجعت البشرية لربها وراجعت نفسها وتخلت عن شرورها .. فلا تلعنوا كورونا .. فإن العالم بعدها لن يكون أبداً كما كان قبلها فيكفي كورونا إنها علمتنا جميعاً " حكاماً ومحكومين " معنى الحجر والحجز وتقييد الحرية , ودفعتنا دفعاً للدعاء والتضرع والاستغفار والإقلاع عن المعاصي والمنكرات .
الحذر واجب شرعي وأخلاقي وضرورة مجتمعية ولا يجب أبداً أن نتهاون أو نتراخى في إتباع الإجراءات الاحترازية والوقاية الواجبة حتى ينعم الله علينا باللقاحات النافعة التي تقضي على هذا الوباء الغادر .
وإذا كان العالم قد تعايش مع كورونا مضطرا فإن نهاية مشهد هذا الوباء لن تكون كبدايته أبداً , ذلك أن نظاماً عالمياً جديداً سيولد على أنقاض القديم كما عاشت البشرية هذا الجلل مرتين في أعقاب الحرب العالمية الأولى والثانية حيث صعدت دول للقمة , وتهاوت أخرى للقاع .. ومن دواعي التفاؤل أن مصر بقيادة الرئيس السيسي كانت واعية لكل تداعيات أزمة كورونا مبكراً , فاستعدت لها فمصر قادمة بقوة لتتناسب ودورها التاريخي وعظمة موقعها وحضارتها .. ومن ثم قد يكون مفهوماً لماذا تزداد هذه الأيام شراسة الهجوم على مصر من أهل الشر وأخوان الشياطين ومن يدعمهم من المنظمات المشبوبة الذين لا هم لهم إلا تشويه صورة مصر وجيشها ورئيسها أمام العالم , رغبة في تعويقها عن بلوغ غايتها وحجز مكانها المستحق في النظام العلمي المزمع تشكله .. لكن مصر الفتية سوف تعبر وتتخطى بقوة هذه الفترة العصيبة بالالتفاف شعبها حول قيادتها وإيمان المصريين بأن القادم أفضل إنشاء الله .
كل صعب سيمر قطعاً مهما طال واشتد البلاء .. دعونا نتفاءل بالعام الجديد ونعتبر كورونا أزمة وعدت , وإن كانت كورونا كلها أسرار لم تكشف بعد .. ومعركة لم تنتهي فصولها بعد ..!!