أقول لكم
هدأت عاصفة الانتخابات الأمريكية، رفع ترامب الراية البيضاء معلناً الاستسلام بعد أن قال المجمع الانتخابي كلمته بحصول الرئيس المنتخب بايدن، ونائبته كامالا هاريس على 306 أصوات انتخابية، وهو أكثر مما هو مطلوب للفوز (270 صوتاً ) ما جعل الرئيس المنتخب، يصف ما حدث بأنه" نصر جلي"، وليس سراً أن بايدن تنتظره تركة ترامب الثقيلة على الصعيدين الخارجي والداخلي بعد الانقسام الحاد بين الديمقراطيين والجمهوريين نتيجة الانتخابات الماراثونية ما تسبب في حدوث أزمات اجتماعية سيكون من الصعب علاجها خلال وقت قصير، وسيجد بايدن نفسه مضراً إلى إتخاذ قرارات صعبة من أجل إعادة الوحدة إلى المجتمع الأمريكى بعد تسلمه منصب الرئاسة رسمياً في العشرين من يناير المقبل بعد أن وصلت الصدامات القضائية التي يثيرها ترامب إلى طريق مسدود، ولذا لم يجد أمامه سوى إتخاذ قرارات تعتبر عراقيل أمام بايدن .
وأرى أن إرث بايدن الثقيل سيكون وبالاً على العالم في حال فكر ترامب في توجيه ضربة عسكرية لإيران قبل يوم 20 يناير ومغادرته البيت الأبيض، إذ ستظل منطقة الشرق الأوسط في حالة حرب سنوات طويلة وقد يؤدي ذلك إلى حرب عالمية ثالثة خصوصاً في ظل التغييرات الكثيرة التي يجريها ترامب في البنتاغون قبل رحيله والتي اًثارت مخاوف الديمقراطيين من عدم استقرار سياسة الأمن القومي للولايات المتحدة مع خروجه من البيت الأبيض، وفي حال نجا بايدن من هذا المصير سيكون أمامه الملف الأصعب وهو وضع خطة استراتيجية لمكافحة جائحة ( كوفيد – 19) التي كانت وفق الكثير من الخبراء السبب وراء فوزه بعد أن نجح في الترويج بأن خصمه ترامب فشل في معالجتها، ما أدى إلى وفاة ربع مليون أمريكي، ولذا أسرع بايدن بتشكيل مجلس استشاري من العلماء لإطلاق عملية تطعيم واسعة النطاق فور تسلمه السلطة.
والتعامل مع هذه القضية سيتزامن مع التعامل مع الكثير من الملفات الداخلية مثل العنصرية والتي تسببت في ظهور حركة " حياة السود مهمة" عقب مقتل الكثير منهم على أيدى رجال الشرطة بالولايات المتحدة قبل إجراء الانتخابات بوقت قصير، كما تنتظره قضايا التمييز بين الأمريكيين والهجرة والحرية الدينية لإيجاد حلول لها ولذا على بايدن أن يواجه تركة ترامب الصعبة بخبراء من نوع خاص قادرين على مواجهة الأزمات المنتظرة، إذ يتوقع إن يواصل ترامب أسلوبه التحريضي ضد بايدن من خارج السلطة معتقداً أن ذلك قد يكون السبيل لعودته إلى البيت الأبيض ولو بعد أربع سنوات، خصوصاً أنه سيجد الباب مفتوحاً أمامه للعبث في ملف تزايد معدلات الفقر بين الأمريكيين، ولن يكون أمام بايدن سوى إتخاذ خطوات ملموسة لزيادة فرص العمل وتقديم المزيد من برامج التكافل الاجتماعى، فضلاً عن البدء في تنفيذ مشروع الرعاية الصحية المعروف باسم ( أوباما كير)، الذي جمده ترامب، ولم يقدم بديلاً له خلال أربع سنوات.
إن الهجوم الإلكتروني الواسع الذي استهدف وكالات حكومية في الولايات المتحدة ومسؤولين كباراً قبل أيام يعتبر الاختبار الأول لبايدن، ولذا عقد مؤتمراً صحفياً قال فيه إنه لا يمكن أن يبقى من دون رد، وأرى أن يايدن اعتبر أنه المستهدف من هذا الهحوم، متهماً ترامب أنه لم يهتم بما حدث، مضيفاً أن تأمين الفضاء الفضاء الإلكتروني الأمريكى كلف مليارات الدولارات لكته سيقوم بكل ما هو ضروري لحماية بلاده مستقبلاً مهما كانت التكاليف، وهو ما يعنى أن بايدن سيكون أمامه الكثير من الملفات الساخنة التي يتعين التعامل لها بمجرد الجلوس على كرسي الرئاسة في البيت الأبيض، كما سيكون أمامه عملاً شاقاً خلال السنوات الأربع المقبلة.
وأقول لكم إن العالم بغارغ الصبر وفي القلب منهم الأمريكيون منهج سياسة بايدن في التعامل مع الملفات الخارجية خصوصاً ملف الحرب التجارية مع الصين الذي وصل في عهد ترامب إلى نقطة ساخنة كادت تشعل الحرب العالمية الثالثة، فضلاً عن الاتفاق النووي الإيراني، لكن أهم ما سيواجه بايدن كيفية التعامل مع بؤر التوتر في الشرق خصوصاً في العراق التي تعتبر مسرحاً لعملياتها الإرهابية ضد واشنطن إضافة إلى اليمن التي باتت تمثل تهديداً لجيرانها نتيجة تمويل إيران للحثويين بالسلاح وليبيا التي يرفض أردوغان الخروج منها وأصدر البرلمان التركي قراراً بمد وجود قواته هناك 18 شهراً، كما تحتاج سوريا إلى حل يعيدها إلى شعبها وكذلك لبنان، وسيتعين على الرئيس المنتخب تخصيص الأشهر الأولى من ولايته بإعادة الثقة للعالم وللمجتمع الأمريكى بأنه قادر على قيادة أعظم دولة في العالم رغم التحديات الكثيرة التي سيواجهها.