رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

الخط المفتوح

هناك مواسم للفتن يتفنَّن بعض من لا نَصيب لهم من الفِهم أو العقل، إشعال نار الفتن فيها، مثلا: مع بداية شهر ربيع الأنوار تراهم وقد أطَلّوا برؤسهم القبيحة فراحوا يُحرِّمون الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، ويرمون المُخالِفين لهم بالتبديع والتفسيق وربما الشرك والكُفر، والعياذ بالله.

كذلك مع مطلع العام الميلادي نراهم يُحرِّمون تهنئة إخواننا النصارى بميلاد السيد المسيح- عليه السلام- روح الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم الصدّيّقة الطاهرة- عليها سلام الله- ولم يكتفوا بالنهي عن التهنئة لقوم قال الله فيهم (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ) بل قوم أحلَّ الله لنا طعامَهم وشرابَهم وأباح لنا الزواج من نسائهم فقال تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، والزواج كما هو مقرر شرعًا ما هو إلا مودة ورحمة؛ قال تعالى: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً» [الروم: 21]، ومن غير المعقول أن يتزوَّج المسلم بامرأة من أهل الكتاب، ويطلب عندها المودّة والرحمة، وتُهنّئه في عيده ولا يرد التهنئة في عيدها، ألم يكن ذلك مخالفة صريحة لنص القرآن الكريم في قوله تعالى: «وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا» [النساء: 86]، حيث إنه لم يفرّق بين من يُلقي التحيّة مسلم أو غير مسلم، والتهنئة في الأعياد ما هي إلا نوع من التحية.

ونسى أولئك أن التهنئة من باب البرِّ الذي أمر به الإسلام، فقال تعالى: (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ.إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).

كما أن الرسالات السماوية كلّها تدعو إلى هدف واحد، وهو توحيد الله وعبادته، وترجو نتيجة واحدة هي الفوز بالجنَّة في الدار الآخرة، وإن اختلفوا في الأسلوب والطريقة الموصْلة إلى ذلك، ومن المقرّر شرعًا أن الإسلام لم يمنعنا من مُجالسة أهل الكتاب ومجادلتهم بالتي هي أحسن؛ فقال تعالى: «وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» [العنكبوت: 46]،

ورغم هذا إلا أن أصحاب الفتن المُفتَعَلَة التي تدل على ضيق أُفُقِهم وقِلَّة فِهمهم لا ينتهون عنها ولا هم يرجعون.

وأتذكَّر أول يوم التحقت به بالصف الأول الابتدائي عام 1969 أن اصطحبني والدي- رحمه الله- وبصحبته جارنا عمي «بسمارك» الصديق الحميم لوالدي مصطحبا ابنه «ناجي» وجلسنا سويا في المقعد الأمامي في الفصل، ولن أنس كلمات والدي وهي تَرِنّ في أُذُني حتي الآن: «خلّلي بالك من ابن عمّك بسمارك».

ومنذ ذلك التاريخ وحتي سنوات طويلة اعتقدتُّ اعتقادا جازما أن «ناجي» هو ابن عمي «بسمارك» شقيق والدي وتربّينا سويًّا علي هذا الاعتقاد، أنا وإخوتي مع أبناء عمي «بسمارك»، ولا تزال العلاقة مُمتدة بيننا منذ ذلك التاريخ وحتي الآن، ورغم رحيل الآباء إلا أن الأبناء لا يزالون علي العَهد مستمرّين وبنصائح الآباء آخذين، يشعر كل منّا بشعور الأُخوة مع «أنطونيو وجرجس وناجي» رغم وجود كلٍّ منَّا في محافظة لظروف العمل إلا أن علاقتنا بالأُخوة المسيحيين لم تنقطع، فما من مناسبة إلا ونشاركهم فيها، وهم كذلك، لوجود شعور داخلي بأنّهم أبناء عمّنا «بسمارك».

أتذكَّر هذا الموقف دائما حينما أجد بعض ناقصي العقل والدين الذين يُنكرون علينا أن نعيش سويًّا- مسلمين ومسيحيين- علي أرض مصر، فنجدهم يبُثّون سُمُومَهم تارة بإحداث فتن طائفية واختلاق مشكلات لا طائل من ورائها إلا إحراق الأخضر واليابس، وتارة أخري بإصدار فتاوي شاذّة بعدم تهنئة المسيحيين بأعيادهم، وكثيرا ما يُثار هذا الأمر في مثل هذه الأيام والأُخوة المسيحيون يحتفلون بأعيادهم ويعيشون فرحة الابتهاج بالعيد، وما يثار كل عام من جدل وفتاوي عقيمة إذ ينقسم الناس لفريق مؤيِّد وآخر مُعارِض نتيجة طبيعية للبلبلة والأفكار المغلوطة.

وأنا أتساءل: أين الرافضون لتهنئة المسيحيين بعيدهم من قول الله تعالي (أن تبرّوهم وتُقسِطوا إليهم إن الله يحبّ المُقسطين)؟ وما الذي يُضيرنا إذا بادلناهم التهنئة بأعيادهم؟! وكيف أباح الله لنا الزواج من المسيحية ولا نُهنِّئها بعيدها؟! في الوقت الذي أمرنا الإسلام بأن يوصل الزوج المسلم زوجته المسيحية إلي دار عبادتها وحمايتها؟!

إنني أري أن دعوات عدم تهنئة المسيحيين بأعيادهم لا تخرج إلا ممن يفتقدون لُغة المنطق وليسوا أهلا للفُتيا، فالأولي بأمثال هؤلاء أن يبحثوا عن مناطق الاتفاق ويبتعدوا عن نقاط الاختلاف وعن هذه المواطن التي تنال من أبناء الوطن، فالإسلام دين الرحمة والمودة والمحبة والتواد، ومن الأفضل أن نتراحم فيما بيننا أبناء الوطن الواحد- مسلمون ومسيحيون- وكل عام وأبناء عمي «بسمارك» والأُخوة المسيحيين في مصر بخير وصحة وسعادة وأمن وأمان.

إن تهنئة غير المسلمين بأعيادهم تدخل في باب لِين الكلام وحُسن الخطاب، وجميع هذه الأمور أمرنا الله عزَّ وجلَّ بها مع الناس جميعًا دون تفرقة، القائل في سورة البقرة: «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا».

كما أن جواز تهنئة المسيحيين بأعيادهم يتوافق مع مقاصد الدين الإسلامي ويُبرِز سماحته ووسطيته، وأن هذا الأمر من شأنه تزكية روح الأُخوّة في الوطن، والحفاظ على الّلُحمة الوطنية، ووصْل الجار لجاره، ومشاركة الصديق صديقه فيما يُسعده من مناسبات.

>>>

وختاما:

قال تعالي :"ولتجدَنّ أقربهم مودّة للذين آمنوا الذين قالوا إنَّا نصاري" صدق الله العظيم.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة