معاً للمستقبل
أيام قليلة تفصلنا عن انعقاد أولى جلسات مجلس النواب الجديد بعد اكتمال انتخابه ، من المقرر أن يقوم المجلس الجديد بحلف اليمين في يناير القادم ولا يمكن أن يمارس عمله إلا بعد أن يؤدي كل عضو اليمين الدستوري .. هذا المجلس الجديد لو تعلمون خطير المهام والمسئوليات ، كثير الأعباء والواجبات .. وإذا كان المجلس السابق قد نجح كثيراً في تحويل الدستور إلى واقع تشريعي يلبي الحاجات ويساير الطموحات الشعبية .. فإن البرلمان الجديد سوف يؤدي دوره المنوط به في الرقابة والتشريع واستخدام كل أدواته الرقابية من استجوابات وطلبات إحاطة وأسئلة ومن المتوقع أن يكون برلمان قوي يمثل الناس كافة ويصوب ويصحح ويشرع ويراقب ويساءل هكذا ما ينتظره الشعب منه .
ورغم ما يقال عن مؤشرات تشكيل البرلمان الجديد وطبيعة تكوينه فأنه اختيار هذا الشعب ، من شارك ومن امتنع ، من اختار ومن فضل إهدار صوته وحقه في المشاركة وواجبه في الاختيار .. ومن ثم فلا مفر من القول أنه إرادة شعب في اختيار ممثليه ونوابه تحت سقف البرلمان.
تركيبة مجلس النواب 2021 تحقق مجلس متكامل من حيث وجود أغلبية ومعارضة ، وتنوع وتعددية سياسية وحزبية ، وكذلك تمثيل كل فئات وطوائف المجتمع خاصة المرأة والشباب والمستقلين والأحزاب وهو ما سيؤدي قطعاً إلى إثراء الحياة النيابية ، فالاختلاف أمر صحي وإيجابي وننتظر من الجميع إن يطرح رؤيته وتصوراته للنهوض بالوطن ودعم المواطن وتحسن الخدمات والأحوال المعيشية من خلال ممارسة الدورين التشريعي والرقابي .
انتخابات البرلمان نزيهة بالمعايير المتفق عليها دولياً ، الحكومة ابتعدت تماماً عن الصناديق ، لم تمد يدها بالتأثير على إرادة الناخبين وقناعاتهم بل وفرت إجراءات السلامة والأمن في أعلى درجاتها ، وسواء صادف هذا الاختيار حماسة الناخبين أو فتورهم فهذا أمر لا تتحمله الحكومة وحدها ، وإنما يشاركها المسئولية فيه قوى المجتمع الحية للأحزاب والقوى السياسية ومنظمات مجتمع مدني وإعلام ومؤسسات الدولة الفاعلة .. لكن المؤكد أن مصر كسبت بإتمام هذا الاستحقاق البرلماني رهان الاستقرار ومصداقية دولة 30 يونيو التي راهنت على إرادة هذا الشعب مصدر الشرعية وصاحب القول الفصل في اختيار من يحكمونه ومن يديرون أموره .
انتخابات البرلمان الجديد شكلت خريطة سياسية جديدة لمصر ليس فيها كيانات إرهابية ولا داعمة للإرهاب ، تشكلت قوى ومكونات سياسية جديدة تعبر عن مرحلتها والظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة والعالم ، وسواء رضينا بها كلها أو بعضها فإن ثمة عملاً دءوباً ينتظر الأحزاب والقوى السياسية لتحسين هذا الواقع وبلوغ أقرب درجات النضج ولا أقول الكمال السياسي على طريق الديمقراطية المنشودة .
صحيح أن ثمة سلبيات صاحبت انتخابات مجلس النواب الجديد وهو ما يحدث في أي انتخابات على مستوى العالم لكن المكاسب كثيرة فأصبح لدينا سلطة تشريعية منتخبة تشرع باسم الشعب وتضع الحدود الواجبة للفصل بين سلطات الدولة بجانب غرفة مجلس الشيوخ الذي تم انتخابه وبدأ يمارس عمله .
وكان طبيعياً أن تقل نسبة الإقبال في هذه الانتخابات في ظل جائحة كورونا لكن ذلك لا يمنع من عمل دراسة للبيئة السياسية في مصر ، ومعرفة الدوافع والأسباب الحقيقية لتراجع الإقبال على انتخابات مجلس النواب ، مقارنة مثلاً بالانتخابات الرئاسية .. حتى لا يتعاظم التراجع وتغرق السياسة في بحر العزوف وتعود ريما لعادتها القديمة وهو ما لا نتمناه أبداً .
ربما لم تكن حماسة الناخبين في ظل كورونا وغيرها على النحو المرضي .. لكن ذلك لا ينفي أن التزوير ذهب إلى غير رجعة ، وإنه لا معنى للاستسلام لدعوات التثبيط والتشكيك في كل شيئ التي تتبناها جماعة الإخوان الإرهابية ومن لف لفها.
هذا البرلمان الجديد اختير بإرادة شعبية خالصة ولو بنسب إقبال متوسطة أو ضعيفة في بعض المناطق وشتان الفارق مع برلمانات سابقة جرى تزويرها وعقد صفقات سياسية بين الأطراف الفعالة فيه ومن معارضة كرتونية تبنت خطاباً سياسياً مزدوجاً مهادناً للنظام من ناحية ، وخادعة للجماهير من ناحية أخرى .. وقد انتهت كل هذه الخطايا فالرهان اليوم على وعي الشعب وهو الذي يختار ويغير ويتحمل المصاعب حباً في إصلاح مصر ومواجهة كافة التحديات والأخطار .
ورغم ما تواجهه مصر من تحديات وما يحيطها من مخاطر وما يتكالب عليها من دعاوى الإفك والبهتان وإشاعة الفوضى ووجود جائحة كورونا فإن مجرد إتمام انتخابات البرلمان الجديد ومن قبلها مجلس الشيوخ هو انتصار للديمقراطية وأن مصر آمنه مطمئنة مستقرة .
ومن الصعب الحكم على البرلمان الجديد الذي نال من الهجوم والتشكيك قبل أن يبدأ عمله وكان حرياً بالمهاجمين انتظار قيامه بمهامه المنوط به حتى يكون الحكم واقعياً مشفوعاً بالأدلة وليس درباً من التخرص والافتئات .
وأين ما كان تكوين البرلمان الجديد فإن قراءة محايدة تؤكد أن هناك قوى سياسية تشكلت وأحزاباً ظهرت وأخرى توارت وذهب بريقها .. وهذا هو حكم الشعب وتجربته التي عليه أن يستفيد منها ، ويتلقى دروسها بالعبرة والعظة حتى يصوب المسار في الجولات القادمة كما يوحي البرلمان الجديد بأن الشباب والمرأة والأقباط لم يبتعدوا عن مقاعده ولم يحرموا من التمثيل فيه .
أقول أن ثمة ظواهر انتخابية سلبية ظهرت في هذه الانتخابات البرلمانية وتلك ظاهرة ينبغي الالتفات إليها ومعالجتها وعلينا أن نتذكر رسالة البرلماني الحق الذي يدافع عن الشعب وحقوقه ومكتسباته ويساند الدولة في تحدياتها ومخاطرها ، وعلينا أن نعود بذاكرتنا لبرلمانيين عظام كانوا ملء السمع والبصر في زمانهم خلقاً وعملاً ووطنيةَ أمثال سيد جلال وعلوي حافظ ومحمود القاضي وممتاز نصار وعادل عيد وغيرهم من المعارضين العصاميين الذي سلكوا سبيل النزاهة والاستقلال وحب الوطن وخدمة الناس بلا مقابل ، ولا مهاترات واستغلال الحصانة في النهب وتكوين الثروات .. كانوا يعتمدوا الحوار والإقناع لغة تحت قبة المجلس والمعارضة البناءة هدفاً لتحقيق الصالح العام .
علينا الاعتراف بغياب الدور الايجابي الفعال للأحزاب والنخب والمعارضة إلا فيما ندر وآن الأوان لتجديد الدماء وعلاج حالة التكلس السياسي لتلك الأحزاب والتأبيد في مناصبها القيادية على حساب الشباب الواعد ويجب أن نعلم أن الشباب هم طاقة الأحزاب التي هي مفرخة الساسة التي تمد الوظائف الكبرى بالكوادر الناجحة .
غزو العقول وتدميرها وتشويش وعيها أخطر ما تتعرض له مصر حالياً وهو عبء يضاف إلى كاهل البرلمان الجديد إلى جانب دوره الرقابي والتشريعي .. وهو ما يضاعف الحاجة إلى نواب على وعي وبصيرة بحقيقة الأوضاع في مصر وتحدياتها الداخلية والخارجية لتعويض عجز الأحزاب وخوائها ورداءة النخبة .
البرلمان الجديد تنتظره مهام جسام تتخطى دوره التقليدي إلى التواصل المجتمعي الفعال والأخذ بيد الناس إلى الأمل والعمل المنتج والاستفادة بالطاقات المعطلة وخصوصاً الشباب الذي عجزت الأحزاب عن احتوائهم وهو ما ينبغي أن تنتبه إليه تلك الأحزاب التي لن تقوم لها قائمة إلا بهم .
البرلمان الجديد مهما قيل عنه مدحاً أو ذما هو مفتاح الأمل والمستقبل وقناة مصر الشرعية في التشريع والرقابة وتلبية احتياجات المواطن والحفاظ على امن الوطن ومحاسبة الحكومة إذا قصرت .. وعلى المواطنين أن يراقبوا أداء نوابهم الذين اختاروهم للحكم عليهم وفضح غير الجديرين بثقتهم .. فإذا كان من حق النواب مراقبة الحكومة فإن من حق الشعب مراقبة نوابه ومحاسبتهم وتجديد الثقة فيهم إذا استحقوها ومنعها عنهم إذا خانوها وبهذا وحده تتقدم الأوطان .
نريده برلماناً قوياً يعبر عن الناس كل الناس .