برقيات
أهداني القدر إحدى حلقات الزميل محمود سعد من برنامجه الشهير "باب الخلق" وكانت عن الحجاج بن يوسف الثقفي، وهو من احتار المؤرخين في وصفه لجمعه كل المتناقضات، وهو ما دعاني للبحث في الحجاج كحالة تستحق التفسير.
فقد كان قبيح الوجه صغير الحجم لكنه قائد عسكري وسياسي محنك شديد البأس, كان جبارا عنيدا حقودا حسودا ويقال أنه من وصف نفسه بذلك أمام الخليفة عبد الملك بن مروان الذي كان يحبه ويفضله ويستخدمه لتنفيذ ما يأمره به بكل قوة وبلا رحمه, فهو من أذل أهل مكة والمدينة والطائف طوال ولايته عليهم بأمر الخليفة الأموي, و ضيق عليهم وعلي أهل العراق من بعدهم, لكنه انتصر في كل المعارك مستخدما المكر والخداع والقسوة , كتب عنه أنه كان ظلوما جبارا خبيثا سافك للدماء وكان أيضا شجاعا مقداما ذا فصاحة وبلاغة حارب الخوارج وقام بتنقيط حروف المصحف, لكنه قام بحرق الكعبة وهدمها وأعاد بنائها, قتل من المسلمين ومن أل بيت رسول الله مالا يعد ولا يحصي وفي ذات الوقت كان من حفظة القرآن الكريم ومقيما للشعائر وحاجا لبيت الله مهتما ببناء المساجد, حير كل من تناولوا سيرته فوصف بالعادل الجائر .
شخصية غنية بالأحداث التاريخية واللقطات الإنسانية العميقة التي يصعب تجاهلها, بداية من قوله, بانه للشيطان طيفا وللسلطان سيفا, حتي نهايته المحتومة مع مرض بطنه يرجح أنه سرطان المعدة وقد سرح الدود في جوفة وأحشاؤه وهو علي قيد الحياة.
الحجاج ذلك الجبار الذي أرتكب كل الفظائع قتل وحرق, وقطع رؤوس الفقهاء وكثير من الصحابة المعارضين للحكم الأموي مثل السعيد بن الجبير توطئة لحكم الوليد بن عبد الملك, وتثبيتا لأركان الدولة الأموية, كتب يشرح نفسه وفلسفته, ربما كان يحاول أن يجد لنفسه مخرجا في وصيته الأخيرة التي جاء فيها, بأنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأنه لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك عليها يحيا وعليها يبعث...لعله أراد تعليق الدماء التي سفكها في رقبة عبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك, وأنه كان ينفذ أوامرهما طبقا لمبدأ السمع والطاعة.
حين أقترب أجله وأيقن أنه ملاق ربه لا محاله كان يؤرقه أمران لا ثالث لهما الأول , خشيته من نبش قبره بعد موته والعبث بجثته, خاصة وهو من تجبر وقسي وأذل العباد في العراق 20 عاما وقبلها في الحجاز والطائف والمدينة, وكان الجميع يتمني هلاكه, فأمرهم بإخفاء مكان دفنه وتعميق الحفرة حتي يصعب الوصول لها وإغراق المكان بالماء علي شدة اتساعه, بمدينة "واسط" التي أسسها في العراق, حتي تختفي أية أثار لمكان دفنه, لينتهي به المطاف في حفرة مجهولة حتي اليوم, فمن قطع رؤوس العباد وصلب أجسادهم, خشي علي جسده الفاني المثخن بالأمراض من النبش والنهش والتمثيل به, ويبدو أنه لم يفكر في الموت إلا بعد أن بات قريبا منه, لم يفكر به وهو يضرب الكعبة بالمنجنيق ويحرقها ويقتل عبد الله بن الزبير, أبن أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين وصلب جسده في باحة الكعبة, ولم يأمر بإنزالها لتدفن إلا بعد أن قالت له أسماء رضي الله عنها مقولتها الشهيرة, ألا أن لهذا الفارس أن يترجل ..
الأمر الثاني خشيته من الله وخوفه من أن لا يغفر له بعد كل ما أرتكب من أثام , فلما حضرته الوفاة أخذ يقول.. يارب قد حلف الأعداء واجتهدوا بأنني رجل من ساكني النار.. أيحلفون علي عمياء ويحهم, ما علمهم بكريم العفو غفار..
حين مات أبكته جاريته وقالت.. " ألا أن مطعم الطعام وميتم الأيتام ومرمل النساء ومفلق الهام وسيد أهل الشام قد مات".
الحجاج الذي ولد عام 40 هجريه في الطائف وتوفي في مثل هذا الشهر جماد الأول عام 95 هجريه وفي رأي أخر انه توفي في شهر رمضان في العراق, كان يكره أهل العراق ويسبهم فأبغضوه وتمنوا هلاكه وكذلك أهل الحجاز, لكنه كان يحب أهل الشام وألف منهم جيشه فأحبوه وحزنوا علي موته, وربما هذا يفسر التناقض في تناول سيرته ويفسر رثاء جاريته, لكن المؤكد أن مصر قد حفظها الله بأن ولي عليها داهية العرب عمرو بن العاص وأبعد عنها الثقفي بكل ما حمله من متناقضات.