إلى الأمام
درس جديد ومهم قدمته مصر الجديدة للعالم في المؤتمر الصحفي للرئيس السيسي ونظيره الفرنسي ماكرون الذي عقد مؤخرا في باريس.. درس خاص بالرؤية للقضايا بالغة الحساسية خاصة المتعلقة باحترام القيم والمقدسات والمفاهيم والمقاصد الانسانية على طريق التنوير الطويل والمحفوف بالمكاره..
واظنها من المرات النادرة في المؤتمرات الصحفية لرؤساء الدول ان يتركز الحوار حول فلسفة التنوير والمقاصد الانسانية السامية وطرق الوصول اليها بما يحقق الاستقرار والسلام والامن للافراد والدول على السواء.
الرئيس السيسي كان واضحا ومباشرا واكثر عقلانية في الانتصار للقيم الدينية وسموها ورقيها فوق غيرها من قواعد بشرية.
الصدام والصراع مع الرؤية العلمانية ليس بجديد وانما قطع اشواطا كبيرة على الساحة الثقافية والدينية وهناك العديد من الدراسات الجادة فيما يتعلق بانسانية القيم في الفكر الانساني والنظريات الفلسفية المتعددة وما اقرته الاديان السماوية وخاصة الاسلام.
لكن ما يؤسف له هو ان الدراسات الاسلامية ظلت حبيسة الادراج ولم تغادر سطور الكتب الى ارض الواقع والحياة العملية..
ولعل استمرار الجدل وحدة المواجهة رغم قوة الحجة الاسلامية يعكس او يقدم ادلة لا تقبل الشك في ان المسلمين قد فشلوا في تقديم وتوضيح ما تحمله رسالة الاسلام من قيم سامية للانسانية جمعاء ليس فقط في مجال حقوق الانسان بل في كل ما يضمن تحقيق السعادة للانسان اي انسان مهما كان جنسه او لونه اوعقيدته..
الخيبة العربية والاسلامية تتجلى في المعركة عند الكلام فقط ترى وتسمع عبارات رنانة من قبيل ان الاسلام سبق النظم العالمية وسبق دستور الامم المتحدة ومواثيق حقوق الانسان وكل الدساتير على وجه الارض ويعلو عليها.. وهذا صحيح لان هذه الرؤية لم تأخذ الطريق الى النظم والتشريعات حتى الداخلية لم نستخدمها في عملية الاصلاح للاوضاع المزرية في تحقيق النهضة وفي مقاومة الفساد وفي مواجهة المفسدين وقطع دابرهم. لم نزين بها الحياة العامة لم نجعلها علامة اولافتة لتدل على اسلاميتنا وديننا الحنيف ما يجعلنا متميزين عن الاخرين واشياء من هذاالقبيل.
نعم انسانية الانسان مؤكدة اسلاميا قبل ان يتحدث العالم عن حقوق الانسان.. بل ان الرؤية الاسلامية اعمق واشمل واكثر تحقيقا للانسانية المرجوة وذلك لانها ركزت على الجانبين البشري والروحي معا ولم تغفل احدهما بعكس ما تفعله العلمانية ومن يدور في فلكها فحركة حقوق الإنسان والمرجعية الفكرية التي تؤطرها وتوجهها اليوم لا تكاد تلتفت إلى الأبعاد الروحية والربانية والدينية للإنسان بل لا تكاد تلتفت إلى هذا الإنسان صاحب حقوق الإنسان ولا ترى في الإنسان وحقوق الإنسان سوى مجموعة من الطلبات والرغبات والتطلعات التي تحقق للإنسان احتياجاته المادية والجسدية ومحسناته السياسية والقانونية.
ومادام هذا الإنسان - عندهم- كما يقول المفكر الكبيرد. احمد الريسوني في دراسة مهمة له عن حقوق الانسان- قد تم تجريده من أي أصل روحي ومن أي بعد ديـني ولم تعد فيه ولا له ثوابت ولا مقدسات فإن حقوقه نفسها تصبح خاضعـة للتطوير والتكييف المستمر بلا حدود ولا محددات.المهم هو أن تستجيب لرغبات الإنسان في بعده الطيني.
ويؤكد على ان الإصرار على تجاهل البعد الروحي للإنسان هو أول توجه أيديولوجي ضال عرفه التاريخ. ومهما تكن الأوصاف والمصطلحات التي يتم إضفاؤها على النظرة المادية للإنسان وعلى التفسير المادي للإنسان، مثل الحداثة والعقلانية والعلمية والموضوعية فإن ذلك لا يعدو أن يكون تجديدًا وزخرفة لنظرة إبليس التي لا ترى في الإنسان سوى أنه كائن طيني صنع (مِن صَلْصَـٰلٍ مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ).
كثير من علماء النفس والاجتماع بمن فيهم الغربيين حذروا من خطورة ترك مهمة تجديد "الانساني" للفرد او الجماعة لانه عند وضع التفاصيل المهمة سيفعل ذلك بصورة نسبية والفرد في عجز ونقص دائمين عن ادراك كل ابعاد وجود الانسان والابعاد التى يسير نحوها ويسعى للوصول اليها وهذا سيؤدي في النهاية الى تعدد الانسانية نتيجة لاخضاع الاهدف الى الاوهام والتخيلات المختلفة..
هنا لابد من التوقف امام دعوة واحد من كبار علماء النفس هو البروفيسور ابراهام ماسلو وهوصاحب نظرية القوة الثالثة في علم النفس.. حيث دعا الفلسفات التربوية الى اقتحام ميدان الدين والقيم ..وكان له شرط واستدراك مهم للغاية حول الدين يحدده في "انه ليس الدين والقيم التى انسلخت منها اوروبا مطلع عصر النهضة وادت الى الشقاق بين الدين والعلم ”..دعا الى البحث عن دين وقيم جديدة ذكر مواصفاتها في ابحاثه وكلها لا تنطبق تماما الا على الدين الاسلامي.
ما حدث من حوار صريح في لقاء السيسي ماكرون في الاليزيه يصلح اساسا وقاعدة لعقد مؤتمر دولي تتبناه المؤسسات الدينية والثقافية يكون نواة لعدة مؤتمرات اخرى على الصعيد نفسه
يشارك فيه اهل الخبرة والاختصاص لوضع النقاط على الحروف وليكن تحت شعار مؤتمر القيم النبيلة..
نعم مصر تستطيع..والله المستعان.